
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
كيف نُحوّل الشعائر من حركات ظاهريّة إلى رحلة روحيّة عميقة؟
ما هي الفروق الدقيقة بين العمرة المُفردة وحجّ التمتّع؟ وكيف نُؤدّي مناسك العُمرة خطوةً بخطوة بدءاً من الإحرام والتلبية وحتى طواف النساء؟ ما هي الرموز المعنويّة لأعمال الطواف والسعي؟ وما هو الفرق الجوهريّ الذي يُميّز عمرة التمتّع عن العمرة المُفردة؟ وما هي الأسرار الروحيّة والاعتبارات التاريخيّة الكامنة في معالم مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة؟ يُجيب سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُقدّمًا شرحًا تفصيليًّا لأعمال العمرة المُفردة وواجباتها وأسرارها.
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
12وعندما يأتي النبيّ إبراهيم إلى هناك، ويضع حجر الأساس للكعبة، فلأنّه كان مقترنًا بـ «النيّة»، فإنّه يجذب كلّ هؤلاء الناس: ﴿وَأَذِّن فِي الناسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾.۱ فلو كان في نَفس النبيّ إبراهيم ونيّته شيء غير الله، لَما أمكن أن يُكلَّف الناسُ حتّى يوم القيامة بالمجيء والاتّباع والطواف حول حجر الأساس الذي وضعه عليه السلام. وفي الواقع، فإنّ الناس يطوفون بنيّة النبيّ إبراهيم وكعبة قلبه.. هذا هو الأمر!
وحينها، كان هناك شخصان آخران شريكين في هذه الأحداث: أحدهما السيّدة هاجر؛ فكانت أحد أطراف القضيّة، والآخر هو النبيّ إسماعيل. فهذان كانا شريكين للنبيّ إبراهيم في هذه القضيّة. إذن، شكّل هؤلاء الثلاثة وحدة واحدة؛ وعلى أساسها، أدّوا هذا العمل. وطبعًا، أحداث مِنى والذبح وما شابه ذلك تفاصيلها طويلة ومتعلّقة بهذا الأمر. بناءً على ذلك، يجب الالتفات إلى هذه المسألة وهي أنّ هذا السعي الذي نقوم به الآن هو من أجل اتّباع السيّدة هاجر؛ وعلينا أن نعلم: لماذا قطعت السيّدة هاجر هذا الطريق ذهابًا وإيابًا، ونقوم نحن الآن بأداء العمل نفسه؟ فيجب علينا أثناء السعي أن نُقدّم أنفسنا لله تعالى، ونخرج من ذواتنا، ولا نضع حِسَابًا لأنفسنا، ولا نقول: «الآن سنعود إلى إيران، وماذا سنفعل مع فلان، وماذا سنفعل مع علاّن...». عندما نسعى، يجب أن نضع كلّ شيء جانبًا، ونعزم على العودة إلى وطننا بهذا الوضع. هل تلتفتون؟! لنعُد إلى وطننا بهذا الحال؛ لنعُد إلى وطننا كما فعلت هاجر؛ لا أن نؤدّي مجموعة من الأعمال، ثمّ تأتي الكثرات مرّة أخرى، وتستولي علينا.. هذه هي قضيّة السعي.
حسنًا، أنتم الآن تريدون أداء هذا السعي؛ فتنوون وتتحرّكون: سبع مرّات والتي هي في الواقع ثلاثة أشواط ونصف (ثلاث مرّات ذهاب، وثلاث مرّات إياب، والمرّة الأخيرة التي تنتهي بالمروة)، وتكون نيّتكم: «أطوف سعي العمرة المُفردة الواجبة، قُربةً إلى الله». تأتون حتّى تصلوا إلى مكان فيه خطّان أخضران؛ فالمسافة بين النقطتين خضراء، وقد نصبوا مصابيح خضراء في الأعلى أيضًا. وهنا، من الأفضل الهرولة؛ مثل حالة المشي السريع. وقد رأيتُ بعض الناس يركضون هناك! كلاّ! وطبعًا، لو ركض الإنسان، فلا إشكال، وقد أدّى السعي. وحتّى إذا أردت أن تُسابق هناك، فلا إشكال! ولكن، من الأفضل أن يُؤدّيه الإنسان كما أدّاه الأئمّة عليهم السلام جميعًا. يجب السعي بهدوء؛ وعندما نصل إلى هناك، نُسرع في الحركة، بحيث تأخذ هيئةً تُشبه المشي السريع، لكنّها ليست مشيًا سريعًا تمامًا؛ بل هي حالة من الوثب الخفيف: يمشي الإنسان، وفي الوقت نفسه يرفع نفسه قليلاً صعودًا وهبوطًا؛ وهذا ما يُسمّى «الهَرْوَلة». هل رأيتم كيف يمشي الجمل؟ وليس عندما يعدو، ولا عندما يمشي ببطء؛ بل تلك الحالة الوسطى لحركة الجمل تُسمّى «هرولة»؛ وقد أخذوا هذه الكلمة من هناك أيضًا. ويُستحبّ للإنسان عندما يصل إلى هناك أن يُهرول، ويُسرع حركته؛ وهذا يَشمل الرجل والمرأة على حدّ سواء. يظنّ البعض أنّ هذا يختصّ بالرجال فقط؛ كلاّ! فلْتُسرع النساء أيضًا حركتهنّ هنا قليلاً. وطبعًا، ليس ذلك «واجبًا»، بل من الأفضل أداء الهرولة.٢ ثمّ يذهبون حتّى يصلوا إلى المروة.
- سورة الحجّ، الآية ٢۷.
- راجع: وسائل الشيعة، ج ۱٣، ص ٤۸۱ ـ ٤۸٣.
