
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
كيف نُحوّل الشعائر من حركات ظاهريّة إلى رحلة روحيّة عميقة؟
ما هي الفروق الدقيقة بين العمرة المُفردة وحجّ التمتّع؟ وكيف نُؤدّي مناسك العُمرة خطوةً بخطوة بدءاً من الإحرام والتلبية وحتى طواف النساء؟ ما هي الرموز المعنويّة لأعمال الطواف والسعي؟ وما هو الفرق الجوهريّ الذي يُميّز عمرة التمتّع عن العمرة المُفردة؟ وما هي الأسرار الروحيّة والاعتبارات التاريخيّة الكامنة في معالم مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة؟ يُجيب سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُقدّمًا شرحًا تفصيليًّا لأعمال العمرة المُفردة وواجباتها وأسرارها.
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
10يبدأ السعي من جبل الصفا. وهناك دعاء، ومن الأفضل أن يقرأه الإنسان؛ فيقف مستقبلاً الكعبة، ويدعو كثيرًا لنفسه ولعائلته وأصدقائه. وقد تمّ التأكيد على دعاءِ بَدء السعي. وعندما تريدون أداء السعي، اصعدوا قليلاً على ذلك الجبل، وقفوا مستقبلين الكعبة. فقبل بَدء السعي، يكون الدعاء مستجابًا؛ وهناك أدعية خاصّة.۱
ويجب أن تعلموا لِماذا تريدون السعي؛ هل تذهبون وتجيئون هكذا عبثًا؟ أم لا، هناك أمر كامن خلف هذه القضيّة وهو متابعة السيّدة هاجر؛ أي: كيف أنّ السيّدة هاجر كانت تذهب دائمًا نحو المروة للحصول على الماء للنبيّ إسماعيل، فتظنّ أنّ هناك ماءً، وتذهب إلى هناك لتجد أنّه لا ماء؛ ثمّ تعود نحو الصفا ظانّةً أنّ الماء هنا. وهكذا فعلت سبع مرّات. وأنتم أيضًا يجب أن تسلكوا هذا الطريق طلبًا لـ «ماء الحقيقة». و«ماء الحقيقة» هو الوصول إلى يَنبوع الحياة وبلوغ مقام الفناء؛ وهذا هو المقصد. وماء الحقيقة هو ذلك الماء الذي متى شربه الإنسان، وصل إلى مقام الاطمئنان، ورُفع عنه «عطش البحث» و«عطش التتبّع». وعندما يصل أحدٌ إلى عالَم الحقيقة والمعنى ذاك، ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛٢ فيُرفع عنه الخوف والحُزن. وهذا العمل من السيّدة هاجر يُعدّ رمزًا لعملنا وعمل جميع الحجّاج. والعجيب هنا هو أنّ الله تعالى قد أوجب عمل السيّدة هاجر هذا على جميع الناس حتّى يوم القيامة! وهذه هي حقيقة التوحيد؛ وهذا هو معنى التوحيد. ليس الأمر كما تظنّون من أنّه يجب حتمًا أن يكون الإنسان نبيًّا أو إمامًا لكي يتّبعه الآخرون في أعماله. ففي ذلك المَقام، لا فرق بين الإمام والنبيّ وسائر الأفراد. فامرأة أخلصت النيّة في عمل ما، يتقبّل الله تعالى هذا العمل ويُكرِّمه، ويأمر الآخرين بمتابعتها! يعني أنّ نبيّنا أيضًا يجب أن يمضي خَلف السيّدة هاجر؛ وهذا عجيب جدًّا! هذه القضيّة ليست مُزاحًا؛ فالسيّدة هاجر لمّا أدّت هذا العمل قاصدةً الله تعالى ومُخلصةً له ـ في تلك الصحراء من أجل الله فقط، ومُسلِّمةً لتقديره ومشيئته وإرادته، ومتخلّيةً عن كلّ الكثرات وجِهات الوجود ـ ألزم اللهُ الأنبياء أيضًا باتّباع هذا العمل.
- راجع: وسائل الشيعة، ج ۱٣، ص ٤۷۷ ـ ٤۸٣.
- سورة البقرة، الآية ٣۸؛ سورة المائدة، الآية ٦٩؛ سورة الأنعام، الآية ٤۸؛ سورة الأعراف، الآية ٣٥؛ سورة الأحقاف، الآية ۱٣.
