
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة
ما هي الآفات التي تُبتلى بها بعض المجالس الدينيّة من تكلّف ومظاهر شكليّة وتضخيم للشخصيّات على حساب الهدف الدينيّ الحقيقيّ؟ وكيف يتعارض ذلك مع مدرسة العرفان الأصيلة التي تدعو إلى البساطة وإصلاح النفس؟ وما هي الآداب والضوابط العمليّة التي يجب على الخطيب الالتزام بها لتكون خطاباته مؤثّرة؟ ولماذا يُعدّ اجتناب إطالة الكلام والابتعاد عن الحسابات الشكليّة في المجالس أمرًا جوهريًا لنجاح التبليغ؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات بوضوح، مقدّمةً رؤية نقديّة وتوجيهيّة متكاملة لوظيفة طالب العلوم الدينيّة في هداية المجتمع بعيدًا عن المظاهر والقشور.
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
27على أيّ حال، يجب الدقّة في هذه المسألة خلال الأحاديث. ويجب أن يكون الكلام جذّابًا، ولا يبعث على الملل. فليس من المعقول أن يتحدّث المرء لعشر دقائق، ثمّ يُسمع فجأة شخيرٌ يتعالى من زاوية المجلس! لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك، إذا كان الحديث بطريقة لا تُسبّب الملل، كما قيل:
درس معلم ار بود زمزمه محبّتی *** جمعه به مکتب آورد طفل گریزپای را۱ [يقول: إن كان درسُ المعلّم همسةَ محبّةٍ، فسيجلب الطفلَ الهاربَ إلى المدرسة يوم الجمعة]
ذلك الشخص الذي عانى من قلّة النوم البارحة لأسباب ما، أو صلّى وأصابه الأرق، وجاء الآن إلى مجلس بين الطلوعين ليأخذ قسطًا من النوم، يجب أن يكون الخطيب قادرًا على منعه من النوم، لا أن يكون حديثُه تهويدةً تزيد الطين بلّة. هذه أُمور يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار.
بيان الحكايات والأشعار الهادفة
يجب جعل الحديث جذّابًا من خلال الحكايات الهادفة. كم نصحتُ الأفراد قائلاً: يا سادة! اذكروا القصص في أحاديثكم، واذكروا الحكايات. هذه أُمور قد أُمرنا بها. عبارة «فأحيوها بطرائف الحكم»٢ التي يذكرها أمير المؤمنين عليه السلام تعني هذا، أي ذكر النقاط الهادفة؛ لأنّ الشخص الذي يصعد المنبر يكون في حالة ومزاج بحيث لا يعلم بحال الجالسين؛ فهو منسجم في الحديث وجمع المسائل، وفي غاية النشاط والحيويّة، ولا يُدرك أنّ الإغداق المتواصل على الحاضرين يُسبّب لهم الملل تدريجيًّا. يجب تغيير نمط الكلام. فليُقرأ الشعرُ مثلاً. هؤلاء الرفقاء الذين يمتلكون أصواتًا شجيّة، وحتّى لو لم يكن الصوت شجيًّا، فمجرّد رفع الصوت مع بعض الإضافات ليس أمرًا سيّئًا، بل إنّ هذه الأُمور مفيدة. فمجرّد قراءة بيتين من الشعر الحِكمي يُزيل الملل، أو ذكر مسائل أخلاقيّة عن مولانا، أو عن حافظ، أو عن العظماء، أو عن الفيض [الكاشانيّ]، أو عن المرحوم الحاج ميرزا حبيب الله الخراسانيّ.. هؤلاء الذين كانت أشعارهم تنبض بالحياة، وكانت مُفعمةً بالروح.
يقول المرحوم صاحب كتاب (لوامع صاحبقراني)، المرحوم الحاج الميرزا محمّد تقيّ المجلسيّ، والد العلاّمة المجلسيّ، في حديثه عن صلاة الجمعة ـ وقد أوردتُ ذلك في تعليقاتي على رسالة صلاة الجمعة ـ: «يجب على خطيب الجمعة أن يستخدم الأشعار الرائعة لمولانا في المثنويّ، ويقرأها للناس بصوت جميل». ولكن، لو قلنا ذلك الآن، لقالوا: عجبًا! ما هذا الكلام؟! ماذا يقول هذا الرجل؟! في صلاة الجمعة! نعم؛ إذن، صلاة الجمعة يجب أن تقتصر فقط على المدافع والدبّابات والتهديدات والضجيج!! حسنًا، افترضوا أنّ ذلك الشخص عندما ينهض ليخرج، فإنّ رأسه سيظلّ يدور من التعب. ولكنّ هذا لا يستقيم. يجب أن تكون صلاة الجمعة صلاةً تمنح الحاضرين حالةً من الصفاء والنشاط، وتُنعش أرواحهم. لستُ أدري ما الذي سيُصيب أئمّة الجمعة هؤلاء لو قرأوا بيتين من الشعر. فليأتوا، وليقرأوا بيتين من الشعر، وليقولوا كلمتين بليغتين، ولينقلوا حكايات من سيرة العظماء ومن المسائل الأخلاقيّة، وليرْووا القصص، ليُحدثوا أثرًا في الناس، لكي يتأثّروا. حتّى إذا جاء الشخص إلى صلاة الجمعة، يكون بانتظار صلاة الجمعة القادمة متى ستحلّ. هذه هي المسائل التي نقلتُها في رسالة صلاة الجمعة. نرجو أن يقرأ السادة هذه المسائل، ويُرتّبوا عليها الأثر، ليتغيّر الجوّ العام.
- ديوان أشعار نظيري النيشابوريّ، الغزليّات، رقم ٥٥.
- نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤۸٣:
قال عليه السلام: «هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ [الْحِكْمَةِ] الْحِكَم».
