
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة
ما هي الآفات التي تُبتلى بها بعض المجالس الدينيّة من تكلّف ومظاهر شكليّة وتضخيم للشخصيّات على حساب الهدف الدينيّ الحقيقيّ؟ وكيف يتعارض ذلك مع مدرسة العرفان الأصيلة التي تدعو إلى البساطة وإصلاح النفس؟ وما هي الآداب والضوابط العمليّة التي يجب على الخطيب الالتزام بها لتكون خطاباته مؤثّرة؟ ولماذا يُعدّ اجتناب إطالة الكلام والابتعاد عن الحسابات الشكليّة في المجالس أمرًا جوهريًا لنجاح التبليغ؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات بوضوح، مقدّمةً رؤية نقديّة وتوجيهيّة متكاملة لوظيفة طالب العلوم الدينيّة في هداية المجتمع بعيدًا عن المظاهر والقشور.
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
20كان رسول الله صلّى الله عليه وآله أسمى من جميع الناس، وكانت أخلاقُه [مصداقًا لـ] «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»،۱ وسلوكُه هو الأُسوة والسيرة والسنّة إلى يوم القيامة؛ ولكن في الوقت نفسه، تجدون أنّ الذين كانت لهم علاقة به كانوا من مختلف المشارب. فكان هناك المُعاندون، وكان هناك المنافقون؛ والشخص الذي كان يأتي إلى رسول الله لم يكن ينظر إلى هؤلاء، بل كان ينظر إلى النبيّ. لم يكُن ينظر ويقول: ما الفائدة من هذه الصلاة التي نُصلّيها الآن، مع أنّ هذا المنافق يُصلّي أيضًا؟! بل كان ينظر إلى أنّ هذه الصلاة هي الصلاة التي يُصلّيها النبيّ.
الآن، بعض الناس يقولون لي في رسائلهم: يا سيّدي، نحن نُصلّي صلاة اللّيل ونفعل كذا، فما الفائدة، لقد سار فلان في هذا الطريق ثمّ طُرد! حسنًا، لماذا تنظر إلى ذلك المطرود؟! انظر إلى مَن لم يُطرد، انظر إلى من يُحالفه التوفيق، انظر إلى من يمتلك الحالات الروحيّة وله حساب خاصّ.. انظر إليه.
الفرق بين أولياء الله وسائر أهل العلم
كان المرحوم والدنا يقول: «لو جئتُ إلى قمّ، ولم تقع عيناي على العلاّمة الطباطبائي وأمثاله، لعدتُ من قمّ إلى طهران، ولشطبتُ على هذه المسألة حتّى آخر عمري؛ لأنّني واجهتُ مسائل ومصاعب لم يُثبّتني ويمنحني الاستمراريّة فيها إلاّ تواصلي مع هؤلاء العظماء». هكذا كانت القضيّة! حسنًا، عندما جاء المرحوم العلاّمة إلى هناك، لينظر ويرى، عجبًا! هذه العمامة التي يضعها العلاّمة الطباطبائي على رأسه، يضعها أيضًا ذلك الشخص السيّئ؛ فهل أترك الأمرَ وأرحل؟! هذا لا يستقيم. حسنًا، لماذا لا تنظر إلى العلاّمة؟ يجب أن تنظر إليه. هذا مرض في الإنسان؛ أي أنّ وسوسة الشيطان تأتي لتخلق اليأس، وتخلق الإحباط، وتُضعف العزيمة، وتُصيب بالكسل والفشل، فماذا تفعل؟ تُوجّهُ الإنسانَ نحو الجوانب السلبيّة، وتجلب دائمًا الجوانب السلبيّة إلى الذهن. حسنًا، انظر أنت إلى هؤلاء العظماء، فهؤلاء العظماء فعلوا هذه الأُمور، حسنًا، أنت أيضًا أحد هؤلاء، وأنت من الأفراد الذين يجب أن يصلوا إلى هناك. لماذا تنظر إلى الذين لم يصلوا؟
قوله: «كنت أرى أفرادًا أستحيي أن أُطلق عليهم اسم العالِم ورجل الدين!». حسنًا، مِن هؤلاء الأفراد كان هناك الكثير ولا يزالون؛ ولكن في المقابل، هناك أناس يبحثون عن الحقّ، ويبحثون عن الحقيقة، ويبحثون عن الصفاء، ويسعون ليكونوا تلامذةً لإمام الزمان وللواقع، ويبحثون عن المعرفة ولا يكترثون لكلام هذا وذاك، ولا يلتفتون إلى هذه الشائعات والمُغريات، ويأخذون ما هو حقّ؛ وهم ليسوا بقلّة أيضًا؛ فلماذا لا ننظر إليهم؟ لماذا لا ينبغي لنا أن ننظر إليهم؟ لطالما وُجد الإنسان، ووُجدت النفس، ووُجد الانحراف؛ وهذا الانحراف لم يقتصر فقط على طبقة الجهلة، بل كان في جميع الطبقات. كان في الجاهل انحراف، وفي العالم انحراف، وفي غير المُعمّم انحراف، وفي المُعمّم أيضًا انحراف، كان موجودًا دائمًا ولا يزال. إنّها مسألة موجودة، وهي أنّه في الجانب الآخر، هناك أناس لا يلتفتون إلى هذه المسائل، ويسلكون الطريق، ويمضون، ويعملون، ويصلون إلى المطلوب والمقصود، وسيصلون إلى المقصد والغاية.
- مكارم الأخلاق، ص ۸.
