
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة
ما هي الآفات التي تُبتلى بها بعض المجالس الدينيّة من تكلّف ومظاهر شكليّة وتضخيم للشخصيّات على حساب الهدف الدينيّ الحقيقيّ؟ وكيف يتعارض ذلك مع مدرسة العرفان الأصيلة التي تدعو إلى البساطة وإصلاح النفس؟ وما هي الآداب والضوابط العمليّة التي يجب على الخطيب الالتزام بها لتكون خطاباته مؤثّرة؟ ولماذا يُعدّ اجتناب إطالة الكلام والابتعاد عن الحسابات الشكليّة في المجالس أمرًا جوهريًا لنجاح التبليغ؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات بوضوح، مقدّمةً رؤية نقديّة وتوجيهيّة متكاملة لوظيفة طالب العلوم الدينيّة في هداية المجتمع بعيدًا عن المظاهر والقشور.
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
17لم أكن موجودًا وقت الغداء، لكنّني جئت وجلست بعده. ومن جملة الأحاديث التي كان يتحدّث بها المرحوم نجل العلاّمة الطباطبائي أنّني سمعته يقول: «أنا لن أسامح فلانًا ـ وذكر اسم أحد العلماء الذين لا يزالون على قيد الحياة ـ كنت أدرس عنده في ذلك الوقت»، حيث كان [نجل العلاّمة الطباطبائيّ] قد درس تقريبًا حتّى اللّمعة، وربّما أعلى من ذلك بقليل، ثمّ ترك الدراسة. وكان المرحوم العلاّمة يقول: إنّ العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه كان منزعجًا جدًّا من هذه القضيّة، وكان متأثّرًا بشدّة، متأثّرًا للغاية. كان شخصًا موهوبًا جدًّا، وفي غاية الذكاء، حيث كان هذا النجل ـ المرحوم السيّد عبد الباقي ـ شخصًا موهوبًا للغاية، طيّب النفس، نقيًّا، وصادقًا؛ فحسنًا، يجب أن يكون ابن العلاّمة هكذا! يجب أن يحلّ ابن العلاّمة الطباطبائي محلّ أبيه. ولعلّه لو لم يترك دراسته، لكان علاّمةً آخر بحدّ ذاته، فلم يكن ذلك بعيدًا! ولكان علاّمةً بحدّ ذاته.
كان يقول: كنتُ أدرس عند فلان من العلماء، ـ سواء كان ذلك درس اللمعة أو أقلّ أو أكثر.. لا أذكر ذلك ـ ولكن، خلال الفترة التي كنتُ فيها بمحضره وأتردّد عليه، ذمّ الحياة الحوزويّة كثيرًا، وبالغ في قدحها لدرجة أنّه منعني تمامًا من مواصلة دراستي ـ هذه هي عبارته ـ وسأُمسك بتلابيبه يوم القيامة أمام جدّي.
أي أنّه كان السبب في تركي للحوزة وعدم إكمالي لهذا الطريق! ذكر اسمه، وهو لا يزال على قيد الحياة.
على أيّ حال، حسنًا، قد يكون ذلك الشخص هو العلّة التامّة أو على الأقلّ أنّه كان جزء العلّة [في تركه للحوزة]؛ وهو أمر مسلّم به بالطبع؛ لكن، يبقى هناك مجال للتساؤل والإشكال. فمع وجود أبٍ كالعلاّمة الطباطبائي لديك، لم يكُن ينبغي لك أن تستمع إلى هؤلاء الأفراد الجهلة وغير المؤمنين ـ هذا هو قصدي ـ بأصالة هذه العلوم وبحقيقتها.
يا أيّها الجاهل، في الوقت الذي يقول فيه الإمام الصادق عليه السلام: لو استطعتُ لأخذتُ سوطًا وضربتُ به على رؤوس وظهور أصحابي، وأجبرتهم على تعلّم هذه العلوم التي أقولها. ما هي عبارته؟ «لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُؤُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ».۱ فعندما يقول الإمام الصادق هذا الكلام، تأتي أنت لتقول: «يا سيّدي، هل أنت عاطل عن العمل لتُصبح طالب علم حوزويّ؟!». لقد قال هذا الكلام بالذات! نعم، قال له: «قُم واذهب، فأنت لديك موهبة! ولديك كذا وكذا، قُم واذهب إلى الجامعة، قُم واذهب وادرس، قُم وافعل كذا؛ أمّا نحن، فقد جئنا، وأصبحنا بؤساء!». كان المرحوم السيّد عبد الباقي يقول للمرحوم العلاّمة الطهراني ولي: «إنّ هذا الرجل قال لي هذا الكلام. لقد أكثر من القول حتّى أضعف عزيمتي، وجعلني أزهد في هذه المسائل فانسحبت». وكانت عبارته:
- الكافي، ج ۱، ص ٣۱.
