
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة
ما هي الآفات التي تُبتلى بها بعض المجالس الدينيّة من تكلّف ومظاهر شكليّة وتضخيم للشخصيّات على حساب الهدف الدينيّ الحقيقيّ؟ وكيف يتعارض ذلك مع مدرسة العرفان الأصيلة التي تدعو إلى البساطة وإصلاح النفس؟ وما هي الآداب والضوابط العمليّة التي يجب على الخطيب الالتزام بها لتكون خطاباته مؤثّرة؟ ولماذا يُعدّ اجتناب إطالة الكلام والابتعاد عن الحسابات الشكليّة في المجالس أمرًا جوهريًا لنجاح التبليغ؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات بوضوح، مقدّمةً رؤية نقديّة وتوجيهيّة متكاملة لوظيفة طالب العلوم الدينيّة في هداية المجتمع بعيدًا عن المظاهر والقشور.
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
15لقد دعانا العظماء إلى هذا الأمر؛ وهذا ما رأيناه من نهجهم. فعندما كنتُ أرى بعضهم يتحدّثون في بعض المجالس، ويظنّون أنّهم يمدحون، كان [المرحوم العلاّمة] يقول لي:
كم زاد فهم هؤلاء المخاطبين من هذا المديح لنا؟ كم زاد؟
لقد كان رجلاً إلهيًّا.
في حين أنّه في المجالس الأخرى اليوم، إذا صعد شخص المنبر، وقلّل من المديح قليلاً، فإنّهم يُقلّلون من المبلَغ الذي يُعطى له، ولن يدعوه في العام المقبل، بكلّ بصراحة. يقولون: لقد أدّى الرجل خطبته بشكل جيّد! أي أنّه حشاها، هذا هو المعنى! حشا عقول هؤلاء المخاطبين بأنّ هذا الرجل من يكون، وذاك من يكون؟! ماذا يكون، وماذا يُمثّل؟!
صعد أحدهم المنبر، ولم يكُن يعلم أساسًا ما إذا كان هذا المجلس لامرأة متوفّاة أم لرجل متوفّى! فكان يقول على المنبر: «كم من ليالٍ قضيناها معه، وكم من صباحات ...». فقيل له: يا هذا، إنّها امرأة! تبًّا لك! هذا المجلس الذي تتحدّث فيه من فوق المنبر هو مجلس عزاء لامرأة، وزوجُها يقف عند الباب! فما معنى «كم من ليالٍ»؟ إنّها مسرحيّة، إنّه هراء ولعب. لماذا يفعل ذلك؟ ماذا يُريد؟ يُريد أن يزداد المبلَغ الذي في الظرف! هذا هو معناه؛ أن يكون الظرف أَسمَك. على الأقلّ، كان ينبغي أن تتحدّث هنا، وتعرف ما إذا كان هذا المتوفّى ذا شارب أم بلا شارب؟! لنفهم هذه القضيّة على الأقلّ. هذا هو نهج الناس. هذا هو النهج الذي يتبعه الجميع! ونحن نرى ذلك.
يا عزيزي، في يوم شهادة الإمام الفلانيّ يجب [على الخطيب] أن يتحدّث عن الإمام. فتجده يتحدّث عن الإمام الباقر عليه السلام؛ لكن، بما أنّ هذا المجلس يخصّ شخصًا معيّنًا، فيجب عليه في الخلاصة أن يُنهي كلامه باسم فلان! فإذا فعل ذلك، قالوا: نعم، لقد أدّى ما عليه بشكل جيّد! خطيب جيّد قام بواجبه وأدّى ببراعة. أمّا إذا لم يفعل ذلك، وجلس ذلك المسكين البائس على المنبر، وتحدّث طوال الوقت قائلاً: الإمام الباقر كذا وكذا، وطرح المسائل، ثمّ نزل، فلا يردّون عليه حتّى السلام، ولا يُودّعونه، ثمّ يأخذون الظرف، ويضعون فيه حفنة من التبن بدلاً من النقود، ويُسلّمونه إيّاه. يقولون: هذا جزاؤه. لماذا الأمر هكذا؟ إذن، يتبيّن أنّ هذا المنبر لم يكن للإمام الباقر، بل لمن كان؟ لقد كان المنبر للنفس، كان للأنانيّات، كان للذاتيّات، كان للفرعونيّات! هذه هي الأمور التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار، فيجب أن نكون حذرين.
