
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة
ما هي الآفات التي تُبتلى بها بعض المجالس الدينيّة من تكلّف ومظاهر شكليّة وتضخيم للشخصيّات على حساب الهدف الدينيّ الحقيقيّ؟ وكيف يتعارض ذلك مع مدرسة العرفان الأصيلة التي تدعو إلى البساطة وإصلاح النفس؟ وما هي الآداب والضوابط العمليّة التي يجب على الخطيب الالتزام بها لتكون خطاباته مؤثّرة؟ ولماذا يُعدّ اجتناب إطالة الكلام والابتعاد عن الحسابات الشكليّة في المجالس أمرًا جوهريًا لنجاح التبليغ؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات بوضوح، مقدّمةً رؤية نقديّة وتوجيهيّة متكاملة لوظيفة طالب العلوم الدينيّة في هداية المجتمع بعيدًا عن المظاهر والقشور.
أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة
10جاؤوا، ووشوا به. فجاء ابن أخ موسى بن جعفر عليه السلام، ووشى به. ابن أخيه! حفيد الإمام! يذهب، ويشي بالإمام الحيّ المعصوم عند هارون، ويكذب ـ ويا ليته كان يصدق ـ ويتّهم عمّه! هذه أمور مكتوبة في التاريخ! ذهب موسى بن جعفر إليه، وسأله: إلى أين تريد الذهاب؟ قال: أريد الذهاب إلى هناك في بلاط هارون. فقال له: لا تذهب الآن! فقال: لديّ عمل وعليّ دَين. فقال له الإمام: أنا أقضي دَينك. وخلاصة الأمر أنّه لم يقبل كلام الإمام. وفي النهاية قال له: لا تُلوّث يدك بدمنا فهذا سيُكلّفك كثيرًا؟ هل هذا واضح؟ ثمّ ينهض ذلك الرجل، ويذهب إلى هارون، ويقول له: «أتعجّب من خليفة الأرض كيف يسمح لنفسه أن يحكم في بغداد، بينما خليفة آخر يحكم في المدينة! يأتون ويذهبون ويجتمعون...». كلام فارغ وتُهم وأكاذيب. لأجل ماذا؟ لأجل درهمين ودينارين! حسنًا، لقد جاؤوا، وجاء هارون في سفره للحجّ إلى المدينة، وأمر بنفي الإمام عليه السلام إلى سجن البصرة، وبقي هناك مُددًا طويلة!
بقي الإمام في السجن لسنوات طويلة. حسنًا، لم تتغيّر القضيّة أبدًا، ولم تختلف المسألة. كان له نفس الحال ونفس الأُنس ونفس الخلوة، بل أفضل وأريح، فلم يعُد بابُه يُفتح ويُغلق باستمرار، ليأتيه الناس، ويشغلوه عن عمله وحياته. هذه القصّة تُبيّن لنا أنّه يجب أن نكون ملتزمين بما نُؤمن به.. أن نكون ملتزمين.
على ماذا تدلّ اللامبالاة تجاه مدرسة العظماء؟
في ذلك المجلس في تلك الليلة، أعتذر للرفقاء إن تحدّثتُ بحدّة قليلاً، فالرفقاء يعذرونني، وهم أدرى بحالي منّي، ويعذرون هذه الجرأة، ولكنّ المسألة هي نفسها، والموضوع هو نفسه. ذلك الذي يقول: «ما شأني»، ماذا يعني ذلك؟! يعني أنّني لا أملك الكفاءة لاتّباع هذه المدرسة ـ بصراحة ـ لا أملك الكفاءة! غاية الأمر أنّه لا يريد أن يقول إنّه لا يملك الكفاءة. وحتّى أنّه لا يملك الكفاءة ليقول: «لا أملك الكفاءة». بل يُلقي باللوم على مسألة «ما شأني». لا يملك الكفاءة للدفاع عن المدرسة. «يا سيّدي، لقد تحدّثوا في المكان الفلانيّ، وذكروا الكلام الفلانيّ على المنبر»؛ حسنًا، لقد ذكروا ذلك، وماذا بعد؟! هل انطبقت السماء على الأرض! إذن، ما هو دورك أنت هنا؟! هل يجب عليّ أنا أن أُجيب عن كلّ شيء؟ هل يجب عليّ أنا أن أقول؟! حسنًا، قدّم أنت جوابًا أيضًا. هل سلبوك المنبر؟ هل سلبوك الخطابة؟ إذن، لماذا درست كلّ هذه الدراسة؟! هل لكي تجلس وتتذمّر وتنوح فقط؟! هل هذا ما تعلّمته؟! جاؤوا، وارتقوا المنبر، وطرحوا مثل هذه النظريّة عن الإمام عليه السلام. حسنًا، النظريّة تبقى نظريّة. انهض أنت، وقدّم النظريّة المخالفة بالدليل والبرهان، لا بدافع الانفعال والعاطفة.. كلاّ! وليس بكلام فارغ، بل بالبرهان وبالروايات الصحيحة الموثّقة، وبالأدلّة، وأَجِب عن الإشكال في القضيّة الفلانيّة. ماذا نفعل نحن إذن؟
