
فضل تحصيل العلوم الإلهيّة وخلود العلماء الحقيقيّين مقارنةً بطلاب الدنيا
ضرورة تزكية النفس ومراقبتها قبل طلب العلم لتجنّب الانحراف والضلال
هل تساءلت يومًا عن الفرق الجوهريّ بين العلوم الدنيويّة والعلوم الإلهيّة؟ ولماذا تستغفر الكائنات، حتّى الحيتان في البحر، لطالب العلم؟ وما هي الآثار المُدمّرة لطلب العلم المجرّد عن تزكية النفس والأخلاق؟ وكيف يجب على طالب العلم أن يدرس ويتعامل مع الآراء العلميّة بشجاعة دون التأثّر بهيبة الأسماء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أسرار بقاء العلماء وخلودهم، ومسلّطةً الضوء على أهميّة استحضار النيّة الخالصة لله والتأسّي المطلق بالمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام في مسار تحصيل المعارف الدينيّة.
فضل تحصيل العلوم الإلهيّة وخلود العلماء الحقيقيّين مقارنةً بطلاب الدنيا
5نقول: «نضعها في البنك وندّخرها!». حسنًا، هذه الأموال في البنك، فما علاقتي بها؟! أو نقول: «نبني بهذه الأموال بستانًا؛ نشتري أراضي في الشمال والجنوب ونبني مصايف ومشاتي!». حسنًا، لقد بنيتم؛ ولكن، ماذا يفعل هؤلاء الذين يمتلكون مصايف في الشمال؟! إنّهم جالسون في إحدى المدن، ويفرحون بأنّ لديهم مصيفًا في المكان الفلانيّ!
قصّة ذات عبرة في أحوال الدنيا
يمتلك الكاتب المصري "المنفلوطي" كتابًا، وهو ليس رواية خياليّة، بل حوّل فيه حكايات واقعيّة إلى شكل روايات. لقد قرأت هذه الحكاية، وطالعتها منذ وقت طويل جدًّا؛ والحكاية هي:
كان هناك قصر فخم وعظيم جدًّا في القاهرة، وكنت أنا شخصيًّا أعرف صاحب هذا القصر. كان لهذا القصر بستان، ويا له من بستان! ويا لها من أوضاع وتجهيزات! (ثمّ يشرح مواصفات هذا القصر مستعرضًا:) مَن كان صاحبه، وماذا فعل، وكيف كانت حياته، وأنّه كان لديه بستانيّ وحارس!
يمرض صاحب هذا المنزل والقصر شيئًا فشيئًا؛ وفي إحدى الليالي، يأتيه صديقه لعيادته. يبدأ هذا الشخص بالشكوى قائلاً: «الآن وقد مرضتُ، جئتَ أنت لزيارتي، لكنّ زوجتي ليست في المنزل! هؤلاء يُريدونني طالما كنتُ سأنفعهم؛ ولكن، عندما لا أعود أنفعهم، يتركونني!»
يبدأ بسرد هذه المسائل لصديقه واحدة تلو الأخرى ويشرحها. ثمّ يسأله: «برأيك، من الذي ينتفع ويستفيد من هذا القصر والبستان؟!»
فيُجيبه صديقه: «هل تظنّ أنّك أنت من تستفيد؟! أنت الآن طريح الفراش، ولا يُعلم إن كنت ستعيش لساعة أخرى أم لا! هل يستفيد أبناؤك؟! أبناؤك أيضًا ليسوا هنا الآن، بل هم متفرّقون هنا وهناك! هل تستفيد زوجتُك؟! هي أيضًا تتنقل إلى هنا وهناك في مجالس اللهو والطرب، وتُمارس اللهو بعيدًا عنك وعن عينيك!».
يقول صاحب البيت: «إذن، من هو الشخص الذي يستفيد فعليًّا الآن من هذا القصر والبستان؟».
يُجيبه صديقه: «ذلك البستانيّ وزوجته اللذان يعتنيان بالبستان في الباحة! هما من يستمتعان بالبقاء في هذا القصر. أنت تعبت طوال عمرك؛ والآن، تحمل في قلبك حسرة الحصول على هذه الأشياء! سترحل عن هذه الدنيا، بينما زوجتك وأبناؤك كلّ منهم في جهة، ثمّ يأتون، ويستولون على هذا البيت! الشخص الذي يستمتع في البين الآن، هو هذا البستانيّ الذي يعمل هنا كحارس وبستانيّ مع زوجته، وهما سعيدان ولا يُباليان بشيء! سواء متّ أنت الآن أم لم تمت، سيقولان: نحن نقوم بعملنا كبستانيين، ولا شأن لنا بكلام صاحب البيت! لهذا، فالشقاء من نصيبك أنت!». ۱
- النظرات والعبرات، مصطفى لطفي المنفلوطي، ص ۱۰٥ ـ ۱۱٢، عبرة الدهر.
