
فضل تحصيل العلوم الإلهيّة وخلود العلماء الحقيقيّين مقارنةً بطلاب الدنيا
ضرورة تزكية النفس ومراقبتها قبل طلب العلم لتجنّب الانحراف والضلال
هل تساءلت يومًا عن الفرق الجوهريّ بين العلوم الدنيويّة والعلوم الإلهيّة؟ ولماذا تستغفر الكائنات، حتّى الحيتان في البحر، لطالب العلم؟ وما هي الآثار المُدمّرة لطلب العلم المجرّد عن تزكية النفس والأخلاق؟ وكيف يجب على طالب العلم أن يدرس ويتعامل مع الآراء العلميّة بشجاعة دون التأثّر بهيبة الأسماء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أسرار بقاء العلماء وخلودهم، ومسلّطةً الضوء على أهميّة استحضار النيّة الخالصة لله والتأسّي المطلق بالمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام في مسار تحصيل المعارف الدينيّة.
فضل تحصيل العلوم الإلهيّة وخلود العلماء الحقيقيّين مقارنةً بطلاب الدنيا
15بعد عشر أو خمس عشرة سنة، ستُدركون، أي ستصلون إلى حدّ وحالة تتحسّرون فيها على ساعَتَي فراغٍ، وساعَتَي مجالٍ وفكرٍ حرٍّ والجلوسِ براحةٍ والتفكيرِ، ولن تجدوا ذلك!
الآن، الوضع هو بشكلٍ يُمكنك فيه أن تشدّ رحالك، وتُطالع، وتُدقّق النظر جيّدًا، وتتوصّل إلى المسائل جيّدًا. الدرس الذي تقرأه، قُم بمطالعته مُسبقًا. وغدًا، عندما تقرأ الدرس، انظر فيه نظرةً فورَ انتهائه، ولا تتركه حتّى تأتي إلى المنزل، ثمّ تفتح الكتاب! بل في نفس الوقت بعد الدرس ـ ولو كانت هناك فاصلة خمس أو عشر دقائق ـ تعالَ، واجلس في الساحة، وراجع نفس الدرس الذي قرأته ثانية! هذه المراجعة أفيد لك من ساعتي مطالعة! هذه العشر دقائق فقط! وبعد ذلك، اكتب خلاصة عنه؛ مثلاً، من كلّ صفحة، اكتب سطرين خلاصة، وراجع هذه الخلاصة كلّ أسبوع! هذا لا يأخذ وقتًا كثيرًا. أي أنّك إذا كتبت كلّ يوم سطرين خلاصة، وراجعتها في الشهر مرّتين أو ثلاثًا، فستبقى في ذهنك، ولن تضيع.
احفظوا الشواهد الأدبيّة والبلاغيّة والأشعار التي يذكرونها كشواهد في كتب الأدب؛ فهذه تنفع الإنسان كثيرًا! باختصار، دقّقوا في المباحثة، ولا تتجاوزوا المسألة التي لم تفهموها بعدُ. في الدروس التي تقرؤونها، افترضوا أنّكم تُريدون إبداء رأي في ذلك الدرس، ثمّ انظروا هل رأيكم يُطابق رأي الكتاب أم يختلف عنه؟ وإذا كان يختلف عنه، فابحثوا عن دليله، واعثروا عليه. أي: لا يكُن الأمر بحيث تتصوّرون أنّ المسألة التي ذكرها الكتاب هي لوح محفوظ، وانتهى الأمر! كلاّ، اعتبروا الكتاب مرآة ووسيلة للرقيّ، وإظهار رأيكم الخاص، لا كلّ المسألة!
في ذلك الوقت الذي كنت أدرس فيه "المطوّل"، كانت مبانيّ تختلف كلّيًا عن مباني التفتازاني، وكانت لديّ إشكالات عديدة، وكان رأيي يميل أغلب الوقت إلى رأي السكّاكي أكثر من مسائل التفتازاني نفسه! والآن، الأمر كذلك. حسنًا، فليكُن التفتازاني من يكون! التفتازاني ليس مُقلَّدنا.
نورانيّة العلم حاصلة من المراقبة
هذه النقطة يجب أن نضعها دائمًا في الحسبان في نهاية المسألة، وهي أنّ تلك النورانيّة التي تحصل للإنسان بواسطة هذه العلوم، هي في ظلّ المراقبة وطيّ الطريق. ذلك الشخص الذي يسلك الطريق ويصل إلى الحقائق، فإنّ هذا العلم يجلب له النور؛ الآن، لا فرق، سواء كان أدبًا أو منطقًا أو فلسفة أو فقهًا أو بقيّة هذه الدروس! أمّا إذا قرأ الإنسان هذه العلوم بدون مراقبةٍ وتوجّهٍ إلى الأوامر السلوكيّة والمسائل التي ذكرها الأعاظم في هذا المجال، فإنّ هذه العلوم لن تجلب له النورانيّة؛ بل ستكون مجرّد سلسلة محفوظات حصلت للإنسان! مثل أن تحفظ شعرًا أو [آيات من] القرآن [دون إدراك معانيها].
