
فضل تحصيل العلوم الإلهيّة وخلود العلماء الحقيقيّين مقارنةً بطلاب الدنيا
ضرورة تزكية النفس ومراقبتها قبل طلب العلم لتجنّب الانحراف والضلال
هل تساءلت يومًا عن الفرق الجوهريّ بين العلوم الدنيويّة والعلوم الإلهيّة؟ ولماذا تستغفر الكائنات، حتّى الحيتان في البحر، لطالب العلم؟ وما هي الآثار المُدمّرة لطلب العلم المجرّد عن تزكية النفس والأخلاق؟ وكيف يجب على طالب العلم أن يدرس ويتعامل مع الآراء العلميّة بشجاعة دون التأثّر بهيبة الأسماء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أسرار بقاء العلماء وخلودهم، ومسلّطةً الضوء على أهميّة استحضار النيّة الخالصة لله والتأسّي المطلق بالمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام في مسار تحصيل المعارف الدينيّة.
فضل تحصيل العلوم الإلهيّة وخلود العلماء الحقيقيّين مقارنةً بطلاب الدنيا
14ضرورة عدم تأثّر الطالب بالعلماء في التحقيق
في الوقت الذي كنت أدرس فيه مباحث "النفس" من كتاب "الشفاء"، جرى حديث في مجلس ما، فقلت شيئًا، فضحك الجميع. قال أحدهم: «يا سيّد، هذه المسألة التي تذكرها تُخالف مباني آية الله المنتظري!». قلتُ: «وآية الله المنتظري أيضًا يُخالف مبانيّ أنا!». لقد انتاب الضحك كلّ ذلك الجمع! حسنًا، فليكن مُخالفًا، فالشيخ المنتظري ليس إمامي؛ هو رجل لنفسه، ومحفوظ في مكانه! إن فعل خيرًا يأجره الله، وإن فعل شرًّا يُعاقبه الله. وأنا أيضًا كذلك.
الإمام عليه السلام يُريد منّا هذا النهج وهذه المدرسة. كان السيّد البروجرديّ رحمه الله يقول مرارًا: لا ينبغي أن تُشكّل شخصيّة العلماء حائلاً دون تحصيل الطلاّب!
بمعنى أنّه: عندما ينظر الطالب في كتاب "الخلاف" و"المبسوط" للشيخ الطوسيّ، إيّاك أن تمنعه العظمةُ العلميّة والفقهيّة للشيخ الطوسيّ من أن يبحث المسائل بصراحة، وبيد مفتوحة، وباطمئنان خاطر! ولا ينبغي أن يقول: «وا ويلتاه! الشيخ الطوسيّ قال هذا»، فترتجف يده، ولا يستطيع الفكر الجديد والبِكر للطالب أن يقوم بحركته الواقعيّة عند نظره للمسائل التي طرحها المشايخ! هو الشيخ الطوسيّ، فليكُن! الشيخ الطوسيّ هو أيضًا تلميذ في هذه المدرسة، ورحمة الله عليه، وليرفع تعالى درجاته؛ كان رجلاً كادحًا، ويُؤجره الله بمقدار إخلاصه. ونحن مُحبّون له أيضًا، ونُقبّل يده، لكنّنا لسنا مُقلّدين له! مُقلّدون لِمَن؟ للإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام! يجب تقليد هؤلاء فحسب! هذه مسألة مهمّة جدًا.
كيف يجب على الطالب أن يدرس؟
المسألة الأخرى التي يجب على الرفقاء أن يُدقّقوا فيها كثيرًا ومهما أكدّنا عليها فقد قصّرنا، هي أنّ هذه الفرصة ـ أي هذا الوضع وهذه المكانة ـ لن يتكرّرا لكم! لهذا، بما أنّ الله وهبنا عمرًا محدودًا وهذا العمر لن يتكرّر، فإنّ الشخص الكيّس والفطن هو ذاك الذي يستغلّ مكانته هذه.
الفرصة لـ «الجلوس وعقد الجلسات والحديث والقيام» موجودة دائمًا، ويُمكن للإنسان دائمًا الذهاب للسفر، والترفيه مُتاحٌ دائمًا للإنسان؛ وإن كان على الإنسان دائمًا ـ وخصوصًا في هذا الزمان ـ أن يكون حذرًا. ولكن، ما لن يتكرّر هو الفرصة التي أتاحها الله لكم الآن! هذه الفرصة لن تتكرّر أبدًا.
