
خطر المادّية المعاصرة وجريمة وضع الحديث في تحريف مسار الدين
كيف مهّدت فتاوى علماء السوء لقتل سيّد الشهداء عليه السلام؟
كيف ابتلعت الماديّة عالمنا المعاصر وغيّبت المعنويّة حتى عن بعض الأوساط العلميّة؟ ما هو دور الاستعمار في توظيف “علماء السوء” لاختراق صفوف المسلمين؟ كيف استُخدمت جريمة “وضع الحديث” وتزوير الأنساب لتبرير أهواء السلاطين وتغيير أحكام الله؟ وكيف مهّدت فتاوى أمثال “شريح القاضي” لقتل سيّد الشهداء عليه السلام في كربلاء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مسلّطةً الضوء على ضرورة التمسّك بالعلماء الربّانيّين المخلصين وعدم الاغترار بظواهر المُدّعين.
خطر المادّية المعاصرة وجريمة وضع الحديث في تحريف مسار الدين
5﴿وَلَا يَخَافُونَ لَومَةَ لَآئِمٍ﴾؛ أي: لا يهابون ولا يخشون من أيّ افتراء أو عيب أو لوم من أيّ لائم.
﴿ذَٰلِكَ فَضلُ ٱللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: هذا فضل الله يُؤتيه من يشاء، والله واسع عليم.
ولهذا، فإنّ وظيفة الطلبة والعلماء الصادقين والحقيقيّين هي: أن يُبيّنوا للناس ما يتوصّلون إليه عن طريق المصادر الإسلاميّة الأصيلة، بعيدًا عن الهوى والضوضاء والمصادر الخادعة والمُضلّلة؛ هذه هي وظيفتنا!
إذا كان الآخرون قد فهموا المسألة بطريقة أخرى، فهم المسؤولون عن ذلك؛ ولكن، قد نفهم نحن المسألة بطريقة مختلفة؛ وإذا كان يوحى إليهم أو يُلهمون، فهذا أمر آخر. المصادر هي فقط ما نملكه بين أيدينا. يجب ألاّ يُؤدّي فهمُ إنسانٍ لمسألةٍ ما إلى أن نتخلّى عن فهمنا وبصيرتنا تجاه هذه المسألة؛ وكما يطّلع الآخرون على الأدلّة والأسانيد، سيطّلع الباقون أيضًا.
وضع الحديث، إحدى مصائب الأديان الإلهيّة
من الابتلاءات التي عصفت بالمجتمع الإسلاميّ منذ زمن النبيّ الأكرم فصاعدًا ـ بل وكانت موجودة حتّى قبل زمانه بين أقوام اليهود والنصارى ـ هي مسألة وضع الحديث. كان الناس يضعون الأحاديث، ويفترون الكذب لمصلحة دنياهم. فكانوا ينقلون خبرًا مكذوبًا ورواية كاذبة عن النبيّ الأكرم من أجل أن تعمر دنياهم!
دعاية معاوية السيّئة باستخدام الأحاديث المكذوبة
حقًّا، إنّ هذا لَفي غاية الرذالة والدناءة! فكم تتّسع المعدة، وكم يجب أن يأكل الإنسان في هذه الدنيا، وكم يجب أن يكسب ليقبل بأخذ أربعمائة ألف درهم من معاوية حتّى يفتري كذبة واحدة على أمير المؤمنين.. كذبة واحدة فقط؟!۱
بيّنتُ سابقًا أنّ معاوية تمكّن بدعايته من جعل أهل الشام لا يُصدّقون أنّ عليًّا عليه السلام كان يُصلّي عندما استُشهد في المحراب!٢ نحن نأخذ هذه المسائل ببساطة وسهولة ولا نُدقّق فيها؛ لأنّنا عرفنا أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة عليهم السلام إلى حدّ ما، ونتعجّب كيف يُمكن لمعاوية أن يقوم بمثل هذه الدعاية مع أنّ المسافة بين الشام والعراق ليست بعيدة! ألم يكن هناك من يذهب ويجيء؟! ألم تكن الأحاديث تتبادل هنا وهناك؟! ولكن، عندما ننظر إلى وضعنا الحاليّ، نرى أنّه كلاّ! عملُ معاوية كان في محلّه ومدروسًا؛ فمن خلال نشر الأخبار الكاذبة، أظهر للناس المسائل بشكل مقلوب تمامًا، بحيث صدّقها الجميع! كان أهل الشام يتعجّبون: هل كان عليّ يُصلّي حتّى يُقتل في المحراب؟!
- رسالة جديدة في بناء الإسلام على الشهور القمرية، ص ۱۰٤:
ولقد أرسل معاوية إلى سَمُرَة بن جُنْدُب ووعده ببذل مائة ألف درهم له ليروي أنّ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ * نزل في ابن ملجم أشقى رجل في قبيلة مراد، وقوله تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الْحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ * وإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ ** نزل في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فلم يقبل. فبذل له مائتي ألف درهم، فلم يقبل. فبذل له أربعمائة ألف درهم، فقبل.
* سورة البقرة، الآية ٢۰۷.
** سورة البقرة، الآيات ٢۰٤ ـ ٢۰٦. - راجع: وقعة صفّين، ص ٣٥٤.
- رسالة جديدة في بناء الإسلام على الشهور القمرية، ص ۱۰٤:
