
دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين
خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة
ما هو الفرق الجوهريّ بين مسار الأنبياء والأئمّة ومسار سائر الناس؟ ولماذا يُعَدّ الشكّ والتردّد أخطر ما يواجه السالك في طريقه إلى الله؟ كيف ينبغي أن تكون شعارات المسلمين في الحرب والسلم؟ وكيف تعمل الدعايات على سلب العقول وتحويل الحقّ إلى باطل، كما حدث مع أهل الكوفة الذين دعوا الإمام الحسين عليه السلام ثمّ خذلوه؟ وماذا نتعلّم من موقف مسلم بن عقيل في الكوفة عن العمل بالتكليف والثبات على اليقين؟ تُجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدّس سرّه عن هذه الأسئلة وغيرها، مُبيّنةً دعوة القرآن إلى لزوم اليقين في كلّ حركة وسكون.
دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين
8ولكنّ غايته ليست القضاء على معاوية، بل غايته العمل وفق اليقين والعمل وفق التكليف!
يتحرّك الإمام، ويُواجه معاوية في الساحة؛ ولكن، بمجرّد أن يقطعوا الماء، ويشنّ الإمام هجومًا ويستولي عليه، يقول لأصحابه: «اسقوهم!».۱ لو كان أمير المؤمنين قد قطع عنهم الماء، لانتهى الأمر! فلو كان عليّ يريد مجرّد القضاء على معاوية، فلماذا لم يستغلّ هذه الظروف والمواقف؟! إنّه يُريد أداء التكليف! فنحن نُقاتل، ونُقاتل بشرف، سواء قُضي على معاوية أم لم يُقضَ عليه. هكذا أصبح أمير المؤمنين عليه السلام أميرًا للمؤمنين!
ولكنّ أمير المؤمنين عليه السلام نفسه، عندما يفتح الماء، يرونه يجهش بالبكاء، ويُخاطب مَن حوله قائلاً [ما معناه]: لقد فتحتُ هذا الماء لمعاوية؛ ولكن، سيأتي يومٌ يقطع فيه ابن هذا المعاوية الماء عن ابني!٢
هنا، يكمن الفارق بين الحقّ والباطل؛ هذا صار عليًّا، وذاك صار معاوية؛ هذا صار حُسينًا، وذاك صار يزيد وعبيد الله وعمر بن سعد!
إنّ غاية ما يطلبه أمير المؤمنين عليه السلام هو العمل بالتكليف. هذا هو المهمّ، ويجب أن نتحلّى به؛ وإلاّ، فإنّ أيّ أمرٍ يحدث بعد ذلك، فهو بمشيئة الله تعالى وإرادته.
مواصفات مولى الإنسان ومقتداه
ولهذا، إذا دقّقنا النظر، سنجد أنّ الجميع يتحرّكون بناءً على الشائعات والأهواء؛ من الجاهل إلى العالِم، كلّهم يتحرّكون بناءً على الشائعات، ولا يُفكّرون ولا يتأمّلون، ولا يتدبّرون في أعمالهم، بل الجميع مُقلّدون، بكلّ ما للكلمة من معنى.. كلّهم مُقلّدون، ويُقلّدون! وليتنا إذ نُقلّد، نُقلّد مولًى حُرًّا مُستقلاًّ، لا مولًى هو نفسه مُقلّدٌ لغيره! قلِّد مَن يُحرّرك ويُخرجك من العبوديّة؛ لا أن تُقلّد أهواء الناس وآراءهم:
مر مرا تقلیـدشان بر بـاد داد *** كه دو صد لعنت بر آن تقلیـد بـاد٣ [يقول: لقد جعل التقليدُ الناسَ في مهبّ الرياح، فمائتا لعنةٍ على هذا التقليد]
إنّ كلّ الأعمال التي نقوم بها مبنيّةٌ على الشائعات والأهواء وكلام الناس والأجواء التي يختلقونها للإنسان والأمور الخافية عن أنظارنا؛ فنتّخذ قراراتنا وفقًا لجهلنا، ثمّ يتبيّن أنّ الأمر كان خلاف ذلك! يا عزيزي، حسنًا، افتح عينيك منذ البداية! ﴿إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَسُٔولاً﴾.٤
- راجع: نهج البلاغة (عبده)، ج ٣، ص ۷٣.
- بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٢٦٦:
عن عبداللهِ بنِ قَيسٍ قال: كنتُ مَعَ مَن غَزا مَعَ أمير المؤمنينَ عليه السّلام في صفّينَ، وقد أخَذَ أبو أيّوبَ الأعوَرُ السُّلَمي الماءَ وحَرَزَهُ عن النّاسِ، فَشَكا المُسلِمونَ العَطَشَ، فَأرسَلَ فَوارِسَ عَليٰ كشفِهِ، فانحَرَفوا خائِبينَ، فَضاقَ صَدرُهُ، فَقالَ لَهُ وَلَدُهُ الحُسَينُ عليه السّلام: "أمضي إلَيهِ يا أبَتاه؟"، فَقالَ: "امضِ يا وَلَدي!"، فَمَضى مَعَ فَوارِسَ، فَهَزَمَ أبا أيّوبَ عن الماءِ، وبَنى خَيمَتَهُ، وحَطَّ فَوارِسَهُ، وأتى إلى أبيهِ، وأخبَرَهُ؛ فَبَكى عَليّ عليه السّلام، فَقيلَ لَهُ: "ما يُبكيك يا أمير المؤمنينَ، وهذا أوَّلُ فَتحٍ بِبَرَكةِ الحسينِ؟"، فَقالَ: "ذَكرتُ أنَّهُ سَيقتَلُ عَطشانًا بِطَفِّ كربَلاءَ حتّى ينفِرَ فَرَسُهُ، ويحَمحِمَ، ويقولَ: الظَّليمةَ الظَّليمةَ لِأُمّةٍ قَتَلَتِ ابنَ بِنتِ نَبيها!"». المحقّق - المثنويّ المعنويّ، الكتاب الثاني، ص ٢۰٤.
- سورة الإسراء، الآية ٣٦.
