
ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر
السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ
هل تقتصر أحكام الشريعة الإسلاميّة على زمان نزول الوحي أم أنّ ملاكاتها صالحة لكلّ زمان ومكان؟ كيف يتعامل الإسلام مع الثقافات والسنن البشريّة المختلفة؟ وما هو الموقف الشرعيّ الحقيقيّ من منظّمات ومواثيق حقوق الإنسان في العصر الحاضر في ظلّ الهيمنة الاستعماريّة؟ وكيف تحوّل لقب «أمير المؤمنين» إلى غطاءٍ لمن لا يستحقّه بسبب التهاون في دفع البدع؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات وغيرها، مُبيّنةً الملاكات الكلّية للأحكام الشرعيّة.
ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر
8كلام أمير المؤمنين لمالك الأشتر في أهمّيّة الاعتناء بثقافة الناس وسننهم الحسنة
في الإسلام، يُعدّ الاهتمام بالثقافة والمبادئ الثقافيّة من الموارد المهمّة جدًّا التي لها تدخّل مباشر في استنباط الأحكام، سواء من الناحية العُرفيّة أو غير العُرفيّة. فالإسلام يقبل ثقافة أيّ مجتمع إذا لم تكن متعارضة مع تعاليمه. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته المعروفة لمالك الأشتر [ما معناه]: يا مالك، لا تَنقُض تلك السنن الحسنة التي يلتزم بها الناس! لا تضع سنّة جديدة تُخالف تلك السنن السابقة! لا تُخيّب آمالهم! السنن التي توجب التآلف والاستئناس، لا تسلبها من الناس!۱
لزوم نبذ الأمور العُرفيّة المخالفة لروح الإسلام وثقافته
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يُعطي تعليمات؛ فيقول: يجب العمل بعُرف كلّ مجتمع وقبول ثقافة كلّ مجتمع ما دامت غير مخالفة! وإذا أعطت ثقافةٌ ما قيمةً لمسألة، فإنّ تلك القيمة محترمة من نظر الإسلام.
إذا أُطلق عنوان ما في ثقافة على مورد خاصّ، وكان إطلاق هذا العنوان واختصاصه لا يُخالف ثقافة الإسلام ولا يُناقضها، فإنّ الإسلام يُمضي هذا العنوان ولا يرفضه، بل يجعل الحُكم بناءً عليه.٢
لدينا اليوم العديد من الروايات التي لا يُمكننا العمل بها بسبب التشابه الاسميّ بين رجال الحديث؛ فاشتراك رجال سند الحديث في الاسم يوجب الشبهة في وثاقة هذا الحديث؛ وبالتالي، يسقط عن درجة الحجّيّة والاعتبار. والآن، إذا وصل الأمر إلى درجة حدوث اشتراك مفهوميّ في هذا اللفظ، ولم يتمكّن الإنسان من تمييز كلام المعصوم عن كلام أفراد البشر العاديّين، فمَن المُقصّر في هذه الحالة؟!
إنّ الأحداث التي شهدناها بأنفسنا هي أكبر وأفضل دليل على صحّة هذا الأمر؛ خصوصًا مع التنبّه إلى هذه النقطة، وهي ضرورة تقييم جذور هذا العنوان وتحديد من أين نشأ.٣
عظمة مقام الإمامة وكيفيّة إعطائه لنبيّ الله إبراهيم
نقرأ في الآية القرآنيّة: ﴿وَإِذِ ٱبتَلَىٰٓ إِبرَٰهِيمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾؛٤
أي: عندما يتجاوز نبيّ الله إبراهيم الخليل (بذلك المقام ومرتبة العصمة ومرتبة تلقّي الوحي والوصول إلى مقام الخُلّة) جميع مراتب الامتحانات والاختبارات التي كان آخرُها ذبحُ ولده إسماعيل، يأتيه خطاب الإمامة.
- راجع: نهج البلاغة (عبده)، ج ٣، ص ۸٩.
- لمزيد من الاطّلاع على أسلوب تعامل الإسلام مع السنن والثقافات المُغايرة، ومعيار قبولها أو عدم قبولها في الثقافة الإسلاميّة، راجع: النوروز في الجاهليّة والإسلام (فارسيّ)، ص ۸٩ ـ ٩٢.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام ج ۱۸، ص ۱٦٦ ـ ۱٩٣.
- سورة البقرة، الآية ۱٢٤.
