
ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر
السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ
هل تقتصر أحكام الشريعة الإسلاميّة على زمان نزول الوحي أم أنّ ملاكاتها صالحة لكلّ زمان ومكان؟ كيف يتعامل الإسلام مع الثقافات والسنن البشريّة المختلفة؟ وما هو الموقف الشرعيّ الحقيقيّ من منظّمات ومواثيق حقوق الإنسان في العصر الحاضر في ظلّ الهيمنة الاستعماريّة؟ وكيف تحوّل لقب «أمير المؤمنين» إلى غطاءٍ لمن لا يستحقّه بسبب التهاون في دفع البدع؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات وغيرها، مُبيّنةً الملاكات الكلّية للأحكام الشرعيّة.
ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر
7الامتحان الإلهيّ للمسلمين في أحداث التزام النبيّ الأكرم ببنود معاهدة صلح الحديبيّة
﴿لَّقَد صَدَقَ ٱللَهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءيَا بِالحَقِّ لَتَدخُلُنَّ ٱلمَسجِدَ ٱلحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُم وَمُقَصِّرِينَ﴾؛۱ أي: لقد وعد الله أنّكم ـ إن شاء الله ـ ستفتحون مكّة في المستقبل القريب، وتُطهّرون بيت الله من وجود الأوثان والأصنام، في حال كونكم قد حلقتم رؤوسكم وقصّرتم!
يتحرّك الرسول الأكرم بناءً على مفاد هذه الآية، ويتوجّه إلى مكّة؛ غاية الأمر أنّه يُواجه هناك مسائل تمنعه من فتحها؛ فيُوقّعون معاهدة، ويعودون. هنا، يقع الناس في الشبهة! يقول النبيّ: «احلقوا!»، فيحلق بعضهم، ولا يحلق البعض الآخر، ويقولون: إذا عُدنا فماذا نقول؟! لقد جئنا، وبشّرنا نساءنا وأطفالنا بأنّنا ذاهبون لفتح مكّة! حسنًا، ما هذا الوضع وما هذا الوعد؟! بمَ نُجيب نساءنا وأطفالنا؟! سيقولون لنا: «لم تكن لديكم القدرة للذهاب والاستيلاء على مكّة، ثمّ تقومون بحلق رؤوسكم ـ مثلاً ـ بحجّة أنّكم قمتم بعمل ما!»؛ كلاّ، لن نفعل ذلك! فلم يفعلوا، واكتفوا بالتقصير.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «رَحِمَ اللَهُ المُحَلِّقينَ!»، ولم يذكر المُقصّرين. فقالوا: «يا رسول الله، ادعُ للمقصّرين أيضًا!»، فعاد وقال: «رَحِمَ اللَهُ المُحَلِّقينَ!»، ولم يذكر المقصّرين. وقال مرّة أخرى: «رَحِمَ اللَهُ المُحَلِّقينَ!»؛ وفي المرّة الرابعة، قال: «والمُقَصِّرينَ!»٢ ليُطيِّب خواطرهم أيضًا! أي: لقد اقترفتم خطأً الآن؛ ولكن، لا تُعيدوا مثل هذه الأفعال مُجدّدًا!
الحديث هنا هو أنّ العالَم عالَم امتحان وعالَم اختبار! فالنصر والفوز لا يعنيان دائمًا أن ينتصر النبيّ في المعارك والغزوات، وليست علامة الظفر والسعادة في الإسلام أن ينتصر الإسلام دائمًا في الحروب؛ فتارة، تكون الغلبة من هذا الجانب، وتارة من الجانب الآخر، بحيث يبقى طريق الهداية وطريق البصيرة والرؤية مفتوحًا دائمًا للطرفين الموافق والمخالف، لكيلا ينظر المُطيع والمُوافق إلى الظاهر، ولا ينظر المُخالف والمُعاند إلى الظاهر أيضًا!
يجب أن يكون الطريق طريق البصيرة، لا طريق الظاهر. فالطريق الذي سلكه أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام كان طريقًا يُوقنون فيه بأنّهم سيُستشهدون، لا أنّهم كانوا يحتملون ذلك. الإمام الحسين لا يُخطئ؛ لقد كانوا على يقين بأنّهم سيُستشهدون! ليس الاستشهاد الذي تأتي فيه رصاصة فلا يشعر الإنسان ولا ينتبه، ويجد نفسه فجأة في عالَم آخر؛ كلاّ، بل الاستشهاد بالسهام والسيوف والرماح وبواسطة المعركة وفي خِضمّ القتال!
- سورة الفتح، الآية ٢۷.
- المقنع، ص ٢۷۷؛ تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۰٩ ـ ٣۱٤، مع اختلاف يسير.
