
ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر
السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ
هل تقتصر أحكام الشريعة الإسلاميّة على زمان نزول الوحي أم أنّ ملاكاتها صالحة لكلّ زمان ومكان؟ كيف يتعامل الإسلام مع الثقافات والسنن البشريّة المختلفة؟ وما هو الموقف الشرعيّ الحقيقيّ من منظّمات ومواثيق حقوق الإنسان في العصر الحاضر في ظلّ الهيمنة الاستعماريّة؟ وكيف تحوّل لقب «أمير المؤمنين» إلى غطاءٍ لمن لا يستحقّه بسبب التهاون في دفع البدع؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات وغيرها، مُبيّنةً الملاكات الكلّية للأحكام الشرعيّة.
ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر
5الحديث هنا هو أنّ هذه الآية تقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ﴾.۱
وقد ذُكر «الإعداد» هنا كمسألة كلّية، وأُدرجت القوّة ورباط الخيل تحت هذا الإعداد؛ أي: من أجل قتال الأعداء، جهّزوا خيول الحرب والقوّات والأسلحة! أمّا كلّ هذه الأمور، فهي منضوية تحت إعداد القوّة وتجهيزها. ومن المؤكّد أنّ هذه الوسائل في هذا الزمان ستُستبدل بوسائل أخرى؛ وهذا ما يُسمّى بالمصاديق المتعدّدة التي تندرج تحت حكم كلّي بملاك كلّي.
كيفيّة إجراء الملاك الكلّي لـ «احترام الوالدين والكبار» في العهود المختلفة
أو على سبيل المثال: لدينا تأكيد بالغ على احترام الوالدين، واحترام العظماء، والعطف والرحمة على الصغار وما شابه ذلك: «وَقِّروا كِبارَكُم وارحَموا صِغارَكُم»؛٢ أي: احترموا كباركم، وارحموا صغاركم، وتلطّفوا بهم!
فهذا الحكم وهذه المسألة الكلّية لها مصاديق خاصّة في كلّ ثقافة وفي كلّ حقبة. لم تُذكر طريقة احترام الكبار في هذه الرواية وفي هذا الكلام الأخلاقيّ الشريف، ومن الواضح أنّ الاحترام في كلّ ثقافة يكون بنحو وأسلوب معيّن، وكلّ ذلك يندرج تحت هذا الحكم الكلّي؛ وليس من الضروري أن يُبيّن الإسلامُ هذا الأسلوب، بل إنّ المصاديق تأخذ مكانها الطبيعيّ من خلال بيان الحكم الكلّي وتقديم الملاك.
ملاك مقبوليّة السنن الحسنة السائدة في الثقافات والحضارات المختلفة
نصل من هنا إلى النقطة التالية: إنّ ما تلتزم به الثقافات والحضارات المختلفة في العالَم، والمسائل المطروحة بينها ـ من وجهة نظر العُرف وغير العُرف، ومن حيث كونها معروفًا أو منكرًا ـ هي أمور ممدوحة ومقبولة ومُمضاة من وجهة نظر الإسلام أيضًا.
قد يكون لأيّ مجتمع نوع من الآداب التي لا تتنافى مع المبادئ الإسلاميّة، والإسلام يُمضيها أيضًا؛ فمثلاً، قد يكون في هذا المجتمع نوع من التزاور ونوع من المعاشرة، وقد يتبنّون بعض العقائد والأعمال كَسُنّةٍ لهم، بحيث لا تكون متعارضة مع الروح الكلّية للشرع، ومع تلك المسائل الإسلاميّة الكلّية. هذه المسألة لا غبار عليها ولا عيب فيها، والإسلام يُمضيها أيضًا.
الأهداف الشيطانيّة للاستعمار في تدوين «ميثاق حقوق الإنسان»
إنّ مسائل حقوق الإنسان المطروحة حاليًّا في العالَم، والمسائل التي دوّنها وجدانُ الإنسان ـ بغضّ النظر عن تدخّل الأديان والمذاهب المختلفة ـ هي أمور محترمة من وجهة نظر الإسلام؛ وذلك بغضّ النظر عن أنّ نفس تيّار تشكيل حقوق الإنسان ومنظّمة تُدعى منظّمة حقوق الإنسان، هي من صُنع الاستعمار العالميّ وخَلقه، لكي يتمكّن ـ من خلال هذا الوجه المقبول والإنسانيّ ـ من الحفاظ على أهدافه وسيطرته وهيمنته ونهبه لأموال الناس ونفوسهم وأعراضهم! إنّهم يريدون بهذه الحِربة تحقيق مآربهم ومصالحهم المتمثّلة في تدمير قوى العالَم وقدراته. ففي الموارد التي تقتضي تدخّلهم، يطرحون مسألة حقوق الإنسان؛ في حين أنّهم يكونون أشدّ قذارة وسفكًا للدماء من أيّ مجرم وسفّاح في سبيل تنفيذ سياساتهم الوحشيّة! هل يُمكنكم أن تتصوّروا في أذهانكم جريمة وخُبثًا لم يرتكبوهما طوال فترة الصدام والمواجهة والحرب بين الثورة الإسلاميّة في إيران والجمهوريّة العراقيّة، من قصف للمراكز المدنيّة، وتسميم المياه، وإبادة النفوس البريئة، وهتك الأعراض، وتدمير أموال المسلمين؟! كلّ هذه الأمور مُدانة ومُحرّمة في الشرع واحدة تلو الأخرى! ولكن، هل سمعتم منهم كلمة واحدة أو عبارة واحدة؟! أبدًا، لم يكن الأمر كذلك! أمّا عندما يقوم العراق نفسه بمهاجمة الكويت، ويُريد الاستيلاء على هذه الدولة، نرى أنّ العالَم بأسره وكلّ المحاور الاستعماريّة في العالَم تتمركز حول هذه القضيّة؛ وذلك لأنّ مصالحهم كانت في خطر، وهم يبحثون عن مصالحهم؛ ولهذا، تُطرح مسألة حقوق الإنسان هناك!
- سورة الأنفال، الآية ٦۰.
- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٩٤.
