
ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر
السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ
هل تقتصر أحكام الشريعة الإسلاميّة على زمان نزول الوحي أم أنّ ملاكاتها صالحة لكلّ زمان ومكان؟ كيف يتعامل الإسلام مع الثقافات والسنن البشريّة المختلفة؟ وما هو الموقف الشرعيّ الحقيقيّ من منظّمات ومواثيق حقوق الإنسان في العصر الحاضر في ظلّ الهيمنة الاستعماريّة؟ وكيف تحوّل لقب «أمير المؤمنين» إلى غطاءٍ لمن لا يستحقّه بسبب التهاون في دفع البدع؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات وغيرها، مُبيّنةً الملاكات الكلّية للأحكام الشرعيّة.
ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر
2أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم
بسم اللّه الرّحمٰن الرّحيم
الحمدُ للّه ربّ العالَمينَ والصلاةُ والسَّلام علىٰ سيّدِنا ونبيِّنا
وحَبيبِ قُلوبنا وطَبيبِ نُفوسنا أبي القاسمِ المصطفىٰ مُحمّدٍ
وعلىٰ آله الطيّبينَ الطّاهرينَ
واللّعنةُ علىٰ أعدائهم أجمعينَ إلى يوم الدين
بيان الشارع المقدّس للملاكات والأحكام الكلّية
قال الله تعالى في كتابه:
﴿خُذِ ٱلعَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ ٱلجَٰهِلِينَ﴾.۱
إحدى المسائل المطروحة على ألسنة الفقهاء هي: هل توجد ملاكات كلّية وأحكام كلّية في الشرع يُمكن الاستفادة منها بشكل خاصّ في كلّ حقبة وزمان، وفي كلّ وضع وظرف؛ أم أنّه يجب الاكتفاء بالمصاديق الخاصّة بزمان الشارع عند العمل بمصاديق المسائل المطروحة في الشرع؟ وبعبارة أخرى: هل يُمكننا في المصاديق التي نُواجهها أن نستفيد من ملاك كلّي، أم أنّ مصاديق هذه الملاكات الكلّية يجب أن تكون بيد الشارع أيضًا؟
لزوم إجراء الأحكام الكلّية للشريعة بناءً على ملاكاتها الكلّية في كلّ مصداق وزمان
بالتوجّه إلى المسائل التي ذُكرت سابقًا، يتّضح الجواب عن هذا السؤال بأنّه: كلاّ! فالدين الإسلامي المقدّس، ولحاظًا للتكامل والنموّ الذي هو لازم لبقائه واستمراره، قد وضع المصاديق أيضًا في متناول الإنسان في كلّ زمان؛ وذلك من خلال توفير الملاكات والكلّيات، بحيث لا يكون العمل بهذه المصاديق توقيفيًّا ولا تعبديًّا. ولكنّ الحديث يكمن في أنّ التوصّل إلى هذه الملاكات ـ ليس جميعها بالطبع ـ يُعدّ من أصعب المشاكل؛ وكما ذُكر سابقًا بالأمس، فإنّ مجرّد البحث والتدريس والدراسة والتحقيق والتدقيق في النصوص والآثار لا يكفي للوصول إلى هذه الغاية؛ لأنّ المسألة أسمى وأهمّ وأدقّ من هذا الأمر. ولكنّ البحث يكون دائمًا في صورة ثبوت الموضوع؛ وبعبارة أخرى: أينما تحقّق الموضوع، يترتّب عليه الحكم أيضًا.
كيفيّة إجراء الحكم الكلّي القاضي بـ «لزوم إعداد القوى في مواجهة العدو» في العهود المختلفة
إذا أردنا أن ننقل هذا البحث من البُعد العلميّ الدقيق إلى المرتبة الخطابيّة [العُرفيّة]، فيجب علينا متابعة المسألة على النحو الآتي:
نحن نرى في القرآن المجيد آيات بَيَّنت لنا ملاكًا كليًّا؛ فمثلاً، في الآيات المتعلّقة بالإعداد لمواجهة المشركين والمخالفين، يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَهِ وَعَدُوَّكُم﴾؛٢ أي: «أيّها المسلمون، بادروا إلى تجهيز القوى والجيوش لمواجهة الكفّار والمشركين قدر استطاعتكم!»
- سورة الأعراف، الآية ۱٩٩.
- سورة الأنفال، الآية ٦۰.
