
حجيّة العقل وحدوده في مقام التسليم للشرع والولاية
إشكاليّة تطبيق الكليّات الشرعيّة على المصاديق: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أُنموذجًا
هل تتعارض أحكام العقل مع أوامر الشرع؟ وما هو الميزان الحقيقيّ في طاعة الإمام؟ وكيف نفهم صلح الإمام الحسن ونهي الإمام الباقر لزيد عن الثورة؟ وهل حقّا كان يوم عاشوراء ساحة لانتصار العشق على العقل؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيَ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات؛ مبيّنة مقام التسليم المحض لأولياء الله، ومفنّدةً بعض التطبيقات الخاطئة للكليّات الشرعيّة على مصاديقها، مع التركيز في ذلك على مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
حجيّة العقل وحدوده في مقام التسليم للشرع والولاية
8لقد منح اللهُ تعالى كلَّ عضو من الأعضاء ميزة وخصوصيّة وحيثيّة تُؤهّله لأداء وظيفته بمقتضى هذه الخصوصيّة. فلو توقّعتَ من العين أن تسمع، لكان توقّعك هذا خاطئًا ومشتبهًا؛ لأنّ العين خُلقت للرؤية. فهل يُمكنك أن تُغمض عينيك، وترى الأحداث بعقلك، وتُشخّص المسائل الماثلة أمامك؟! هذا مستحيل أبدًا؛ بل يجب أن تفتح عينيك لترى! وهل يُمكن أن تسمع الأصوات بعقلك؟! مستحيل؛ فسماع الصوت مسألة ظاهريّة، أمّا التعقّل والتدبّر في هذه المسائل فمسألة تجرّدية! لا يُمكن للعقل أن يمتلك إحساسًا تجاه الظواهر، بل يُدرك المجرّدات؛ وهذا الإحساس يُعدّ وسيلة لتحوّل الحسّ والظاهر إلى مجرّدٍ ناقصٍ، بحيث عندما يصل إلى مرتبة العقل، يكتمل تجرّده؛ وحينها، يُمكن للعقل أن يُدركه. ولهذا، لا يستطيع العقلُ إدراكَ كلّ مسألة، فليس هذا من شأنه ولا يخصّه! بل يُمكن لكلّ عضو وملكة وغريزة أن تنشط في دائرة الصلاحيّات التي منحها الله إيّاها.
فهل يستطيع العقلُ الإخبارَ عن القضايا الخفيّة والمسائل التي ستقع في المستقبل؟ لو جلست مائة عام تُفكّر فيما سيحدث في هذا المنزل بعد ساعة، فلن يصل فكرُك إلى نتيجة! ولو جلست ألفَ عام تتأمّل في الحدث الذي سيقع غدًا أو بعد غد، أو حتّى بعد خمس دقائق من الآن، في هذه الدنيا، في إيران، في مشهد، في هذا المنزل، وفي هذا المكان الذي تجلس فيه، فلن يصل فكرُك إلى نتيجة! إذن، يعمل العقل دائمًا في دائرة صلاحيّاته، لا أبعد من ذلك؛ وما جاوز ذلك، فهو مرتبط بالباطن، ولا سبيل للعقل إليه. وللوصول إلى تلك المرحلة، يجب أن يتفعّل العقلُ، ويبلغ تجرّدًا أكبر، إلى الحدّ الذي يُمكّنه من الوصول إلى الباطن.
لقد بُيِّنت لنا كيفيّة أداء العبادات في الشرع؛ فهل يُمكن للعقل أن يُبيّن لنا كلّ جزئيّة من جزئيّات كيفيّة أداء العبادات؟ لا يُمكنه ذلك! فهل يُمكنك بعقلك التوصّل إلى حكم من الأحكام الشرعيّة؟! كأن تُدرك مثلاً أنّ صلاة الصبح ركعتان أو صلاة المغرب ثلاث ركعات؟! لا يُمكنك ذلك؛ لأنّ الطريق إلى ذلك ليس طريق العقل! فالعقل يُدرك الكليّات لا الجزئيّات؛ ومسائل الشرع مسائل جزئيّة وعمليّة وتشريعيّة، ولا سبيل للعقل إليها!
