
حجيّة العقل وحدوده في مقام التسليم للشرع والولاية
إشكاليّة تطبيق الكليّات الشرعيّة على المصاديق: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أُنموذجًا
هل تتعارض أحكام العقل مع أوامر الشرع؟ وما هو الميزان الحقيقيّ في طاعة الإمام؟ وكيف نفهم صلح الإمام الحسن ونهي الإمام الباقر لزيد عن الثورة؟ وهل حقّا كان يوم عاشوراء ساحة لانتصار العشق على العقل؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيَ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات؛ مبيّنة مقام التسليم المحض لأولياء الله، ومفنّدةً بعض التطبيقات الخاطئة للكليّات الشرعيّة على مصاديقها، مع التركيز في ذلك على مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
حجيّة العقل وحدوده في مقام التسليم للشرع والولاية
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ
ثمّ الصلاة والسلام علىٰ سيّدنا ونبيِّنا وطَبيبِ نُفوسنا
أبي القاسمِ مُحمّدٍ وعلىٰ آله الطيّبينَ الطاهرين
ولعنةُ الله علىٰ أعدائهم أجمَعينَ من الآن إلىٰ قيام يَوم الدين
وجوب التعبّد بالنسبة للذي لم يصل إلى الملاكات الواقعيّة للأحكام
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.۱
يقوم أساس الدين والحركة التكامليّة للإنسان على التعبّد؛ أي الطاعة المطلقة للنبيّ والإمام والوليّ! ولا يُمكن لأحد أن يصل بنفسه إلى الملاك الواقعيّ للأحكام؛ اللهمّ إلاّ الأوحديّ من الرجال وبعض الأفراد الذين إذا استطاعوا الاطّلاع على منبع التشريع ومنشأ تدوين الأحكام، فإنّهم يُميّزون الصلاح والمصلحة والمفسدة في القضايا والأحداث كما هو حقّه؛ وفي هذه الحالة، يُمكنهم استنباط الحكم بأنفسهم، وإن لم يكن هناك دليل أو حكم ظاهر للمسألة من الناحية الظاهريّة. وإن وفّقنا الله تعالى، فمن المُحتمل أن نتطرّق إلى هذا الموضوع لاحقًا. أمّا عموم الناس، فيجب عليهم دائمًا، قبل الوصول إلى هذه المرحلة، مراعاة مسألة التعبّد والأخذ بعين الاعتبار ذلك العلم الإجماليّ.٢
دور العقل والحواسّ الظاهريّة في الوصول إلى المصالح والمفاسد الحقيقيّة
لقد تفضّل الله تعالى على البشر بملكات ونِعمٍ يُمكنهم من خلالها الوصول إلى الواقع إلى حدّ ما، وهذا المقدار يكفي للوصول إلى الغاية المنشودة؛ أي إنّ تلك الملكات الأوليّة قادرة على إيصال الإنسان إلى ما يقصده الله تعالى والشارع. فالعين، والأذن، والفكر، والعقل، والوجدان، وسائر الغرائز المودعة في كيان الإنسان، يُمكن أن تكون جميعها مُعدّةً ومُعينةً له في طريقه نحو الهدف والغاية.
غير أنّ هذه الأمور لا تكفي وحدها؛ فعلى سبيل المثال، نحن نمتلك عينًا نرى بها القضايا والأحداث، فتستلهم أذهانُنا تصوّرًا عن هذه الأحداث والقضايا التي رأتها العين؛ ولكن، قد لا يكون هذا التصوّر مطابقًا للواقع! فأنت ترى إنسانًا يقوم بعمل ما، ولكن هل تعلم ما هي نيّته؟ هَبْ أنّك رأيت تلك القضيّة واقعًا وحقيقةً وبدقّة، لكنّ مقصده ونيّته وهدفه من هذه المسألة ممّا لا يُدرك بالعين! فمن أين لك أن تُدرك ذلك؟! هنا، يجب علينا أن نُعيد النظر في أحكامنا، وهنا، يجب أن نترك دائمًا مجالاً للاحتمال في المسائل الخفيّة! فقد ورد في الرواية [ما معناه]:
- سورة البقرة، الآيات ٣-٥.
- لمزيد من الاطّلاع على مسألة «الوصول إلى الملاكات الواقعيّة للأحكام»، راجع: الفقاهة في التشيّع (فارسيّ)، ص ٣٣ـ ٦٩.
