
حجيّة العقل وحدوده في مقام التسليم للشرع والولاية
إشكاليّة تطبيق الكليّات الشرعيّة على المصاديق: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أُنموذجًا
هل تتعارض أحكام العقل مع أوامر الشرع؟ وما هو الميزان الحقيقيّ في طاعة الإمام؟ وكيف نفهم صلح الإمام الحسن ونهي الإمام الباقر لزيد عن الثورة؟ وهل حقّا كان يوم عاشوراء ساحة لانتصار العشق على العقل؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيَ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات؛ مبيّنة مقام التسليم المحض لأولياء الله، ومفنّدةً بعض التطبيقات الخاطئة للكليّات الشرعيّة على مصاديقها، مع التركيز في ذلك على مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
حجيّة العقل وحدوده في مقام التسليم للشرع والولاية
10مدى حجيّة حُكمِ كلٍّ من العقل وظاهر الشرع والإمام عليه السلام
يُعدّ وجوبُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من بديهيّات المسائل والأحكام الإسلاميّة، ولا شكّ ولا شبهة فيه، وله مراتب سُطّرت في الكتب؛ تبدأ بمرحلة التجاهل وعدم الاكتراث، ثمّ التنبيه، ثمّ الشدّة، ثمّ الضرب و… ثمّ القتل.۱ فعندما لا يتمكّن إنسان من التكيّف مع المجتمع الإسلاميّ، يجب إزاحته. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المسائل الواضحة. ولكنّ السؤال هو: هل تجدون في زمن إمامة أمير المؤمنين كائنًا أشدّ إزعاجًا، وأكثر ممانعةً، ومخالفةً، وعنادًا لأهل البيت وللشيعة وللإسلام من عثمان؟! لن تجدوا ذلك! ولكن، عندما يهجم الناس للقضاء عليه وقتله، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تفعلوا ذلك!».٢ أليس الأمر بالمعروف واجبًا؟! أليس النهيُ عن المنكر واجبًا؟! بلى، هذا صحيح، ولكن لا تفعلوا هذا! فأنا الإمام، وأقول لكم: لا تفعلوا! فيذهبون ويقتلونه، وتبدأ الأحداث بعد ذلك! لماذا؟ لأنّهم لم يعملوا هنا بحكم العقل. فالعقل يقول: عندما ينهاك الإمامُ المعصومُ المطّلعُ على القضايا الخفيّة عن هذا الإجراء، فيجب عليك ألاّ تفعله! حتّى لو كنت مكلّفًا بأداء هذا العمل من وجهة نظر ظاهر الشرع؛ فهنا، لا يُخصّص حكمُ الإمام حكمَ العقل، بل يُؤيّده، ويحكم على ظاهر الشرع، ويُزيحه، ويَحُلّ محلّه؛ فهذا هو عمل الإمام والوليّ!
العقل بين ثورة زيد بن عليّ وصُلح الإمام الحسن
قال الإمام الباقر عليه السلام لزيد بن عليّ [ما معناه]: يا زيد، لا تُقْدِم ولا تَقُم بثورة! فكلّ قيام وثورة تحدث قبل قيام قائم آل محمّد، لن تُسفر عن أيّة نتيجة، وستزيد من آلامنا نحن أهل البيت!٣
وهذه ليست رواية ولا اثنتين! حسنًا، كلامنا الآن: هل إزالة الظلم واجبة أم لا؟ إنّها لا تحتاج إلى دليل في الأساس، بل هي من المسائل الفطريّة والأوليّات والبديهيّات، والشرع يُصادق عليها أيضًا. ولكنّ العقل نفسُه الذي يحكم بأنّ إزالة الظلم لا تحتاج إلى دليل، يحكم أيضًا بأنّه: افعل إن كنت تستطيع، ولا تفعل إن كنت لا تستطيع! أو: إذا دخل سارقٌ إلى منزلك وفي يده سلاح، فلا تُواجهه بقبضة يدك؛ لأنّه سيضربك ويقتلك! أو: عندما تعجز عن أداء هذا العمل في مكان ما، فلا تفعله، لأنّك ستُهلك نفسك، ولن تصل إلى نتيجة!
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٤، ص ٢۸۰.
- راجع: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ۱٤، ص ٣۷.
- راجع: الكافي، ج ۱، ص ٣٥٦.
