
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
نظرة تحليليّة في التقاليد المجتمعيّة؛ من العادات الجاهليّة إلى تقاليد النيروز وحادثة كربلاء
ما هو الملاك لتمييز الحقّ من الباطل؟ وهل يصحّ الركون إلى العادات والتقاليد المجتمعيّة واعتبارها ميزانًا لتحديد «المعروف» و«المنكر»؟ وكيف نُقيّم التقاليد المعاصرة وفقًا للموازين الشرعيّة؟ وما هو وجه الارتباط بين الانحراف العميق للعُرف الجاهليّ والمأساة العظمى في كربلاء؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، حيث تسلّط الضوء على المعنى الدقيق لمفردتي «العرف» و«المعروف» في ثقافة القرآن الكريم، وتُبيّن بالبراهين والشواهد التاريخيّة أنّ المدار الحقّ في تقييم الأمور يجب أن يستند حصرًا إلى ملاكات الشريعة.
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
6إذن، نرىٰ أنّ ذلكَ العملَ الذي يظنُّ الناسُ أنّهُ صحيحٌ، هو عملٌ منكَرٌ مائةً في المائةِ؛ وذلكَ العملَ الذي يعدّونَهُ منكَرًا، هو صحيحٌ مائةً في المائةِ ومطابقٌ للواقعِ! وحينئذ، كيفَ يُمكِنُ للشارعِ أن يأمرَ [في هذه الموارد] بـ ﴿وَأمُر بِالعُرفِ﴾؟! وكيف يُمكِنُ للنبيِّ صلّى الله عليهِ وآلِهِ أن يأمرَ الناسَ بـ ﴿وَأمُر بِالعُرفِ﴾؛ أي: اعملوا بالعُرفيّاتِ وما يتعلّقُ بالعُرفِ؟! هذا مستحيلٌ أبدًا!
المسألةُ هنا تتعلّقُ بأن نأخذَ العُرفَ نفسَهُ بعينِ الاعتبارِ في قضيّةِ العملِ بهذا العُرفِ، لا أن نكون بمعزِلٍ عَنه؛ وبعبارةٍ أُخرىٰ، مِن ناحية العملِ، أن يكون المجتمعُ والأفرادُ هُمُ المِلاكَ لعملِنا؛ هنا، تكون هذهِ المسألةُ ـ بالتأكيد ـ غير عُرفيّة، بل تكون خلافُ العُرفِ، والإسلامُ يُكرّسُ كُلّ جُهدِهِ لردِّ هذا العملِ وإدانتِهِ ومحاربتِهِ! هذا أمرٌ.
نطاقُ حُجّيةِ العملِ المعروفِ والممدوحِ عندَ الوجدانِ البشريّ
الأمرُ الآخرُ هو أننّا: تارةً، ننظرُ إلىٰ العملِ نفسِهِ في حدِّ ذاتِهِ ونرىٰ علىٰ سبيلِ المثالِ: أنّهُ لا يوجدُ أيُّ إنسانٍ في الدنيا، وأنا وحدي في هذا العالَمِ، فهل يجبُ عليّ أن أقومَ بهذا العملِ أم لا؟ وبعبارةٍ أُخرىٰ، المسألةُ هنا تعودُ إلىٰ الشخصِ نفسِهِ، وليسَ إلىٰ المجتمعِ؛ فإذا لم يكُن هناكَ مجتمعٌ، فما الذي يُمكِنُ للفردِ نفسِهِ أن يأخذَهُ بعينِ الاعتبارِ هنا؟ وما هو العملُ الذي يجبُ عليهِ أن يقومَ بهِ؟ هنا، المسألةُ علىٰ وجهَينِ:
تضادُّ استحسانِ إحياءِ المقابرِ معَ المِلاكِ الشرعيّ المبنيِّ علىٰ الاعتبارِ بها
الوجهُ الأوّلُ: تارةً، يكونُ ذلكَ العملُ الذي أقومُ بهِ وأعدُّهُ عُرفًا، هو في حدِّ ذاتِهِ عملٌ صحيحٌ، ولكنّهُ يتعارضُ معَ المِلاكاتِ التي حدّدَها الشارعُ؛ علىٰ سبيلِ المثالِ: نرىٰ أنّ إحياءَ المقابرِ وزراعةَ الزهورِ والأشجارِ وتخضيرَ المقابرِ هو في حدِّ ذاتِهِ عملٌ جيّدٌ جدًّا، وقد وَرَدَ في الشرعِ أيضًا، حيث إنّ إحياء الأراضي وعُمرانها مِنَ الأوامرِ الشرعيّةِ الأكيدةِ! كم لدينا مِن أوامرَ في الشرعِ:
أصلِحوا الأراضي وازرعوها! مَن يُحيي الأراضي، يُعطيهِ الله بكلِّ شجرةٍ يزرعُها في الأرضِ شجرةً في الجنّةِ، وما أعظمَ الثوابَ الذي يُعطيهِ الله إيّاهُ!۱
ولدينا الكثيرُ مِن هذهِ الرواياتِ؛ ولكنّ الحديثَ هو أننّا: إذا قُمنا بهذا العملِ في المقبرةِ، فهل سيتعارضُ معَ ذلكَ المِلاكِ الكلّي الذي وضعَهُ الشارعُ بينَ أيدينا أم لا يتعارضُ؟
- راجع: الكافي، ج ٥، ص ٢٦۰؛ جامع الأخبار، الشعيريّ، ص ۱۰٥؛ نهج الفصاحة، ص ۷۰۷.
