
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
نظرة تحليليّة في التقاليد المجتمعيّة؛ من العادات الجاهليّة إلى تقاليد النيروز وحادثة كربلاء
ما هو الملاك لتمييز الحقّ من الباطل؟ وهل يصحّ الركون إلى العادات والتقاليد المجتمعيّة واعتبارها ميزانًا لتحديد «المعروف» و«المنكر»؟ وكيف نُقيّم التقاليد المعاصرة وفقًا للموازين الشرعيّة؟ وما هو وجه الارتباط بين الانحراف العميق للعُرف الجاهليّ والمأساة العظمى في كربلاء؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، حيث تسلّط الضوء على المعنى الدقيق لمفردتي «العرف» و«المعروف» في ثقافة القرآن الكريم، وتُبيّن بالبراهين والشواهد التاريخيّة أنّ المدار الحقّ في تقييم الأمور يجب أن يستند حصرًا إلى ملاكات الشريعة.
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
5فقد كانوا يقولونَ: بيتِ الله مكانٌ مُقدّسٌ، والكعبةُ مكانٌ مُقدّسٌ وهي بيتُ اللهِ؛ فمَن يدخُلُ ذلكَ المكانَ يجبُ أن يكونَ طاهرًا، ويجبُ أن يكونَ مُجرّدًا مِن زينةِ الدنيا، ولا ينبغي أن يلبسَ الذهبَ والزينةَ وما شابهَ ذلكَ؛ كُلّ هذهِ كانت عقائدَهُم في ذلكَ الزمانِ. إذن، بما أنّ القضيّةَ كذلكَ، فإنّ لُبسَ الثيابِ ولبسَ الذهبِ والزينةِ و… كُلّ ذلكَ يتعارضُ معَ تلكَ الأهدافِ والنوايا؛ وبالتالي، فلنخلع ثيابَنا! كانَ الرجالُ والنساءُ يطوفونَ حولَ الكعبةِ عُراةً۱ ويُصفّرونَ ويُصفّقونَ! هذا يُصبِحُ طوافَهُم! حسنًا، مِنَ الواضحِ إلىٰ أينَ سيؤول هذا الطوافِ!
هذا تطبيقٌ خاطئٌ لتلكَ الفلسفةِ في مقامِ التنفيذِ! فالإسلامُ يُطبّقُ تلكَ الفلسفةَ العاليةَ للحجّ بشكلٍ صحيحٍ، حيث يقول: إذا أردتَ أن تقومَ بهذا العملِ، فإنّ ذلك سيتعارضُ معَ أصلِ تلكَ الفلسفةِ والهدفِ؛ فأنتَ تمتلكُ غرائزَ، وتمتلكُ شهوةً، وتمتلكُ إحساسًا، وأنتَ لم تصل بعدُ إلىٰ مقامِ التجرّدِ ومقامِ الكمالِ الأتمّ، والشهوةُ حاكمةٌ في وجودِكَ، وأنتَ الآنَ تمتلكُ شهوةً وغريزةً، وتمتلكُ عواطفَ وأحاسيسَ بشريّةً، ولا يُمكِنُكَ أن تُواجه إنسانًا، ويكون بمقدورك أن تضبطَ إحساساتك وغرائزَكَ! (أنا دقيقٌ جدًّا في هذهِ المسائلِ ولا يُمكِنُني أن أُفصّلَ الأمرَ أكثرَ مِن هذا!). حينئذ، بما أنّ غرائزَكَ قد تحوّلَت إلىٰ غرائزَ صحيحةٍ، وأفكارَكَ قد تحوّلَت إلىٰ أفكارٍ صحيحةٍ، فبناءً علىٰ هذا، فإنّ كُلّ عملٍ يؤدّي إلىٰ تحريك هذه الغرائزِ وإثارةِ الشهوةِ وتهييجِ هذهِ الغرائزِ الماديّةِ الكامنةِ في وجودِ الإنسانِ، مُدانٌ بحُكمِ العقلِ والفطرةِ والشرعِ! إذن، هذا الحجّ، وإن كانَ يتمّ في مسارِ ذلكَ الهدفِ، إلاّ أنّهُ منافٍ لتلكَ الأهدافِ؛ ولذلكَ، فإنّ هذا الحجّ نفسَهُ مُدانٌ مِن وجهةِ نظرِ الإسلامِ!
﴿أَلَا سَآءَ مَا يَحكُمُونَ﴾؛٢ أي: إنّهُم مُخطئونَ!
إذن، كُلّ عملٍ يقعُ في المجتمعِ ويؤدّي إلىٰ احتكاكِ بينَ الرجلِ والمرأةِ، أو سماع الرجلُ صوتَ المرأةِ ويؤدّي إلىٰ الإثارة، فإنّه غير صحيح، وهو مذمومٌ!
كيفيّةُ تطبيقِ مسألةِ قداسةِ الكعبةِ في الشرعِ الإسلاميّ
يأخذُ الإسلامُ هذا العملَ نفسَهُ، ويُطبّقُهُ بشكلٍ صحيحٍ ومنطقيٍّ، ويقولُ: صحيحٌ أنّ هذا المكانَ مُقدّسٌ، وإظهارُ الشخصيّةِ فيهِ ممنوعٌ، وإظهارُ العِلمِ والشؤونِ الدنيويّةِ فيهِ ممنوعٌ، وإبرازُ الثروةِ فيهِ ممنوعٌ؛ فهنا الحجّ، وهنا حَرَمُ اللهِ، ولا مجالَ لغيرِ الله في حَرَمِهِ، ولا مجالَ للتقيّداتِ في حَرَمِ اللهِ؛ فهذهِ التقيّداتُ هي لخارجِ هذا المكانِ؛ اذهب إلىٰ الخارجِ، وافعل ما تشاءُ! أمّا عندما تأتي إلىٰ هنا، فلا عِلمَ لديكَ ولا ثروةَ، ولستَ رئيسًا ولا مرؤوسًا، ولستَ آمرًا ولا مأمورًا، بل أنتَ إنسانٌ مُجرّدٌ مِن كافّةِ الشؤونِ الاجتماعيّةِ! وحينئذ، مِن أجلِ التطابقِ بينَ الظاهرِ والباطنِ، نجعلُ الظاهرَ بحيثُ يكونُ مُعبّرًا ومُبيّنًا للباطنِ: قِطعتانِ مِنَ القُماشِ، تلفُّ إحداهُما علىٰ خصرِكَ، وتضعُ الأُخرىٰ علىٰ كَتِفِكَ، وانتهىٰ الأمرُ! فإذا كانَ إحرامُكَ مخيطًا ولو بمقدارِ سنتيمترٍ واحدٍ، فهو غيرُ صحيحٍ؛ وإذا كانَ في هذا اللباسِ ذهبٌ وزينةٌ فهو غيرُ صحيحٍ؛ وحتّىٰ هذا الخاتمُ المستحبُّ، إذا كانَ بقصدِ الزينةِ فهو غيرُ صحيحٍ؛ والساعةُ التي تلبسُها في يَدِكَ، إذا كانَ لها طابعُ الزينةِ فهي غيرُ صحيحةٍ؛ يجبُ عليكَ أن تتركَ كُلّ هذا! التفاخرُ حرامٌ، والشتمُ حرامٌ؛ كُلّ المسائلِ التي تطرحُ شخصيّةَ الإنسانِ، يجبُ عليكَ أن تتركَها جانبًا، وتكتفي فقط وفقط بـ «لبّيكَ اللهمّ لبّيكَ» والسلام! هذهِ تُصبِحُ فلسفةَ الحجّ!
- الدرّ المنثور، ج ٣، ص ۱۸٣.
- سورة النحل، الآية ٥٩.
