
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
نظرة تحليليّة في التقاليد المجتمعيّة؛ من العادات الجاهليّة إلى تقاليد النيروز وحادثة كربلاء
ما هو الملاك لتمييز الحقّ من الباطل؟ وهل يصحّ الركون إلى العادات والتقاليد المجتمعيّة واعتبارها ميزانًا لتحديد «المعروف» و«المنكر»؟ وكيف نُقيّم التقاليد المعاصرة وفقًا للموازين الشرعيّة؟ وما هو وجه الارتباط بين الانحراف العميق للعُرف الجاهليّ والمأساة العظمى في كربلاء؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، حيث تسلّط الضوء على المعنى الدقيق لمفردتي «العرف» و«المعروف» في ثقافة القرآن الكريم، وتُبيّن بالبراهين والشواهد التاريخيّة أنّ المدار الحقّ في تقييم الأمور يجب أن يستند حصرًا إلى ملاكات الشريعة.
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
4﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ القَومِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦ﴾؛ أي: كانَ هذا الأمرُ منكرًا ومذمومًا بينهُم إلىٰ حدٍّ أنّهُ عندما يُخبَرُ بذلكَ، كانَ يفرُّ مِن قومِهِ وقبيلتِهِ ولا يُظهِرُ نفسَهُ!
﴿أَيُمسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَم يَدُسُّهُۥ فِي الترَابِ﴾؛ أي: وبعدَ ذلكَ كانَ يُقرّرُ في نفسِهِ: هل يُبقي هذهِ البنتَ بخزيٍ وذُلٍّ ويتحمّلُ هذا العارَ لفتراتٍ طويلةٍ، ويُربّيها، أم يُريحُ نفسَهُ، ويتخلّصُ مِن هذا العارِ ويدفنُها وهيَ حيّةٌ؟!»
يا للعجب! إنّ الغَيرةَ الجاهليّةَ المعروفةَ بينهُم تصلُ بالأمرِ إلىٰ أن يدفنوا كائنًا حيًّا وبشرًا حيًّا وإنسانًا يمتلكُ استعداداتٍ وحقائق وغرائزَ، وهو حيٌّ! ويُصبِحُ هذا الأمرُ المنكَرُ معروفًا بينهُم إلىٰ هذا الحدّ، ويُصبِحُ الأمرُ المعروفُ ـ وهو تربيةُ البنتِ وتنشئتُها ـ مُنكَرًا بينهُم إلىٰ حدٍّ يجعلهُم يرتكبونَ هذا الفعلَ القبيحَ، ويفتخرونَ بهِ أيضًا!۱
﴿أَيُمسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ﴾؛ أي: هل يُبقي هذهِ البنتَ بعارٍ وذُلٍّ؟!
وهذا عجيبٌ حقًّا! انظروا إلىٰ هذهِ المسألةِ التي كانَ العُرفُ يستحسنُها في ذلكَ الوقتِ، هل هي صحيحةٌ واقعًا؟! وهل رسولُ الله صلّى الله عليهِ وآلِهِ مُكلّفٌ بهذهِ المسألةِ؟ وهل عليهِ أن يأمرَ بهذا العُرفِ؟! وهل ﴿يَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾ تتوجّهُ إلىٰ هذهِ القضيّةِ؟! أم أنّه: كلاّ! فعملُ الناسِ ليسَ مِلاكًا للعملِ، وعملُ الناسِ وأحكامهم وسُنَنُهُم ليست مِلاكًا للعملِ؛ لأنّ الناسَ يعيشونَ في أهواءٍ وآراءٍ جاهليّةٍ، وينظرونَ إلىٰ القضايا بواسطة الإحساسات، ولا يُمكِنُ أن يكونَ عملُهُم مِلاكًا للأعمالِ!
«الطوافُ بالبدنِ العاري» ناشئٌ عَنِ التطبيقِ الخاطئِ لمسألةِ قداسةِ الكعبةِ في العُرفِ الجاهليّ
لدينا في آيةٍ أُخرىٰ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُم عِندَ البَيتِ إِلاّ مُكَآءً وَتَصدِيَةً﴾.٢
أي: عندما كانَ الأعرابُ الجاهليّونَ يأتونَ للحجّ، كانوا يطوفونَ حولَ الكعبةِ ويُصفّرونَ ويُصفّقونَ!
ما شاءَ اللهُ! تعالَ وانظُر ماذا يفعلونَ! هؤلاءِ الناسُ، هؤلاءِ الأعرابُ الجاهليّونَ أنفسُهُم، عندما كانوا يأتونَ للحجّ ويطوفونَ حولَ الكعبةِ، فإنّهم كانوا يمتلكونَ أفكارًا وعقائدَ متعلّقة بأداءِ مناسكِ الحجّ؛ وبالنظر إلىٰ تلكَ الفلسفةِ والغريزةِ والفطرةِ والمسائلِ التي مَنحَهُم الله إيّاها، قد يُدركونَ بعضَ المسائلِ، بل وقد يكونُ الأمرُ صحيحًا مِن وجهةِ النظرِ الكلّية؛ غير أنّ الكلام هو في تطبيقُ المسألة، وكيفيّةُ إجراءِ هذه المسألةِ الكلّيةِ؛ وفي بعض الأحيان، قد تأتي "شَدُرُسنا" بدلاً عن "شَغَلَتنا"!٣
- لمزيد من الاطّلاع على ظلم الأولاد وقتلهم في عصر الجاهليّة، راجع: نور ملكوت القرآن، ج ۱، ص ۱٢٩؛ الرسالة النكاحيّة، ص ۱۸.
- سورة الأنفال، الآية ٣٥.
- عبارة كنائيّة يُشير بها المصنّف إلى من يقصد فعل الخير أو الصواب، لكنّه يأتي بنتيجة سلبيّة غير مقصودة؛ وقد يُعادلها في اللغة العربيّة المَثل العربيّ المشهور: «رامَ نَفْعًا فَضَرَ». هذا، وقد وردت قصّة هذه العبارة في كتاب مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٢، ص ٣۱۸، بالنحو الآتي:
بيَّن سماحة الشيخ [محمّد جواد الأنصاريّ الهمدانيّ] روحي فداه مَسائل تتعلّق بذمّ التصرّف في كلمات العظماء وتغييرها وتبديلها، ثم سرد في سياق ذلك حكايةً، فقال:
«كان هناك رجلٌ ذو خطّ جميلٍ وذوقٍ رفيع، وكانت مهنتُه النِّساخة، حيث كان الناس يقصدونه لينسخ لهم الكتب، وكثيرًا ما كان ينسخ القرآن الكريم. لكنْ، كان فيه عيبٌ كبير؛ وهو أنّه كان يتدخّل من تلقاء نفسه، ويقوم بتصرّفاتٍ في غير مَحلّها، ويُغيّر بعض الكلمات.
وفي يومٍ من الأيّام، جاءه أحدُ عُظماء المدينة وقال له: “أريدك أن تنسخ لي مُصحفًا في غاية الإتقان وحُسن الخطّ وجمال الذوق، وسأعطيك ما تطلبه من الأجر، ولكن بشرط ألاّ تتصرّف فيه (تُغيّر فيه) شيئًا على الإطلاق!”. فقَبِل الرجل ذلك، ونسخ القرآن حتى أتمّه.
ولمّا جاءه ذلك الرجل العظيم، سأله: “هل كتبتَ القرآن؟”، قال: “نعم، كتبته”. قال: “وفقًا للشرط الذي اشترطتُه عليك؟”. أجاب الناسخ: “نعم، لم أتصرّف فيه ولم أُغيّر شيئًا، باستثناء ثلاثة مواضعَ رأيتُ أنّني لا أستطيع الصبر عليها دون تغييرها؛ لأنها لا تليق أبدًا بمقام القرآن!”. فقال له الرجل: “أخبرني، ما هي هذه المواضع الثلاثة؟”.
قال الناسخ: “عندما وصلتُ إلى الآية الكريمة: ﴿شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا﴾، قلتُ في نفسي: لا يوجد “غَلَط” في القرآن، ولا بدّ أن هذه الكلمة كُتبت بالخطأ، فقمتُ بتصحيحها وكتبتُها: “شَدُرُسْنا”!” (ظنًّا منه أنّ مقطع “غلت” في الكلمة يعني “غلط”، فاستبدله بكلمة “درست” الفارسية التي تعني “صحيح”) ...». المترجم
