
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
نظرة تحليليّة في التقاليد المجتمعيّة؛ من العادات الجاهليّة إلى تقاليد النيروز وحادثة كربلاء
ما هو الملاك لتمييز الحقّ من الباطل؟ وهل يصحّ الركون إلى العادات والتقاليد المجتمعيّة واعتبارها ميزانًا لتحديد «المعروف» و«المنكر»؟ وكيف نُقيّم التقاليد المعاصرة وفقًا للموازين الشرعيّة؟ وما هو وجه الارتباط بين الانحراف العميق للعُرف الجاهليّ والمأساة العظمى في كربلاء؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، حيث تسلّط الضوء على المعنى الدقيق لمفردتي «العرف» و«المعروف» في ثقافة القرآن الكريم، وتُبيّن بالبراهين والشواهد التاريخيّة أنّ المدار الحقّ في تقييم الأمور يجب أن يستند حصرًا إلى ملاكات الشريعة.
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
3«قتلُ الأولادِ خشيةَ الإملاقِ» نموذجٌ للأُمورِ الممدوحةِ في العُرفِ الجاهليّ
في الجاهليّةِ، وبسببِ الخوفِ مِنَ الإملاقِ والفقرِ، كانوا يقتلونَ أولادَهُم، وكانوا يعدّونَ قتلَ الولدِ مِن أجلِ راحةِ العيشِ أمرًا ممدوحًا! فإذا أردتَ أن تعيشَ براحةٍ، فاقتُل أولادَكَ! وإذا أردتَ أن تحظىٰ بالراحةِ، فاقضِ علىٰ أبنائِكَ! وإذا أردتَ أن تعيشَ في هذهِ الدنيا بلا مشاكلَ، فتخلّص مِن أولادِكَ!
﴿وَلَا تَقتُلُوٓاْ أَولَٰدَكُم خَشيَةَ إِملَٰقٍ﴾؛ أي: لا تقتلوا أولادَكُم، ولا تُبيدوهُم خشية الفقرِ!
﴿نَّحنُ نَرزُقُهُم وَإِيَّاكُم﴾؛۱ أي: رِزقُهُم بيَدِنا، ونحنُ نرزقُهُم وِفقًا للتقديرِ والقدرِ الذي قَدّرناهُ.
لا علاقةَ لكُم بهذا الأمرِ، وقوموا بتعهّداتكُم! إذا مَرِضَ هذا الطفلُ فلا علاقةَ لكُم بذلكَ، وإذا بَقِيَ سالمًا فلا علاقةَ لكُم بذلكَ، وإذا ماتَ فلا علاقةَ لكُم بذلكَ! ما هو شأنُكُم؟! هل حياتُكُم أنتُم بيَدِكُم؟! أنتُم لا تمتلكونَ القُدرةَ علىٰ حفظِ أنفُسِكُم لثانيةٍ واحدةٍ، فكيفَ تُفكّرونَ في غيرِكُم؟! يجبُ عليكُم أن تؤدّوا تعهّدَكُم بناءً علىٰ الوظيفةِ التي تقعُ علىٰ عاتقِكُم، وأمّا ما يحصلُ بعدَ ذلكَ، فلا علاقةَ لكُم بهِ!
«وأدُ البناتِ» نموذجٌ للغيرةِ الجاهليّةِ
يقولُ الله تعالىٰ في الآيةِ الشريفةِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَىٰ ظَلَّ وَجهُهُۥ مُسوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَٰرَىٰ مِنَ القَومِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦ أَيُمسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَم يَدُسُّهُۥ فِي الترَابِ أَلَا سَآءَ مَا يَحكُمُونَ﴾.٢
فبناءً علىٰ الغيرةِ الجاهليّةِ والغيرةِ غيرِ المنطقيّةِ والباطلةِ التي كانت حاكمةً علىٰ القبائلِ العربيّةِ، إذا رُزِقوا ببنتٍ، كانوا يتأثّرونَ بشدّةٍ مِن هذا الأمرِ؛ فلم تكُن غَيرةُ الأعرابِ الجاهليّينَ تسمحُ لهُم بتزويجِ بناتِهِم، وأن يشعروا بأنّ بناتَهُم قد أصبحنَ تحتَ سُلطةِ الرجالِ الذينَ يحكمونَ عليهنّ، ويأمرونهنّ وينهونهنّ! هذهِ الغَيرةُ هي غَيرةٌ غيرُ مشروعةٍ وغيرُ واقعيّةٍ وغيرُ منطقيّةٍ وباطلةٌ كانت سائدةً في تلكَ القبائلِ. وبمقتضىٰ هذا الأمرِ المعروفِ والممدوحِ بينهُم، إذا وُلِدَت لهُم بنتٌ، كانوا يدفنونها وهيَ حيّةٌ، ويقضونَ عليها!
﴿وَإِذَا المَوءُۥدَةُ سُئِلَت * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت﴾؛٣ أي: عندما تُسألُ تلكَ الموؤودةُ يومَ القيامةِ: بأيِّ ذنبٍ ولأجلِ ماذا وأدتُموها؟!
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَىٰ ظَلَّ وَجهُهُۥ مُسوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ أي: كانَ وجهُهُ يسودُّ تعجّبًا مِن ولادةِ البنتِ! (ولماذا لم تكُن ولدًا؟!).
- سورة الإسراء، الآية ٣۱.
- سورة النحل، الآيتان ٥۸ و٥٩.
- سورة التكوير، الآيتان ۸ و٩.
