انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة

نظرة تحليليّة في التقاليد المجتمعيّة؛ من العادات الجاهليّة إلى تقاليد النيروز وحادثة كربلاء

0
مباني الإسلام
مباني الإسلام

ما هو الملاك لتمييز الحقّ من الباطل؟ وهل يصحّ الركون إلى العادات والتقاليد المجتمعيّة واعتبارها ميزانًا لتحديد «المعروف» و«المنكر»؟ وكيف نُقيّم التقاليد المعاصرة وفقًا للموازين الشرعيّة؟ وما هو وجه الارتباط بين الانحراف العميق للعُرف الجاهليّ والمأساة العظمى في كربلاء؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، حيث تسلّط الضوء على المعنى الدقيق لمفردتي «العرف» و«المعروف» في ثقافة القرآن الكريم، وتُبيّن بالبراهين والشواهد التاريخيّة أنّ المدار الحقّ في تقييم الأمور يجب أن يستند حصرًا إلى ملاكات الشريعة.

المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيم

  • بسمِ الله الرحمٰنِ الرحيم

  • الحمدُ للّهِ ربِّ العالَمينَ وصلّى الله علىٰ سيّدِنا ونبيِّنا 

  • وحبيبِ قُلوبِنا وطبيبِ نُفوسِنا أبي القاسمِ المصطفىٰ محمّدٍ

  • وعلىٰ أهلِ بيتِهِ الطيّبينَ الطاهرينَ المعصومينَ

  • واللعنةُ علىٰ أعدائِهِم أجمعينَ إلىٰ يومِ الدين

  •  

  •  

  • قالَ الله تعالىٰ في كتابِهِ الحكيم: 

  • ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَٰهِلِينَ﴾.۱ أي: يا رسولَ اللهِ، أوّلاً: اجعَلِ العفوَ دائمًا في برنامجِكَ؛ وفي المواردِ التي يجبُ فيها العفوُ، اعفُ ولا تنتقِم (ففي العفوِ لذّةٌ ليست في الانتقامِ)! ثانيًا: اعمَل بالعُرفِ، ومُر بالعُرفِ والعملِ الممدوحِ والحَسَنِ! ثالثًا: أعرِض عنِ الجاهلينَ والذينَ يُريدونَ التعاملَ معَكَ بأهوائِهِم!

  • معنىٰ العُرفِ والمعروفِ

  • تدلُّ الآيةُ القرآنيّةُ علىٰ أنّهُ يجبُ علىٰ الإنسانِ أن يتبعَ العُرفَ والأمرَ المعروفَ دائمًا. حسنًا، ما هو العُرفُ؟ وما الذي يُسمّىٰ عملاً ممدوحًا؟ وما معنىٰ أمرِ الله لرسولِهِ صلّى الله عليهِ وآلِهِ: «مُر بالعُرفِ»؟

  • لدينا في آيةٍ قرآنيّة شريفةٍ: ﴿وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾.٢

  • أي: يجبُ أن يكونَ هناكَ دائمًا في الأمّةِ الإسلاميّةِ أُناسٌ يَدعونَ الناسَ إلىٰ الخيرِ والصلاحِ، ويجبُ أن يَدعوا الناسَ إلىٰ كُلِّ عملٍ فيهِ خيرٌ وصلاحٌ للأمّةِ الإسلاميّةِ ولأفرادِ المسلمينَ. يجبُ علىٰ هؤلاءِ أن يأمروا بالمعروفِ بينَ الناسِ، وأن يَدعوا إلىٰ كُلِّ أمرٍ ممدوحٍ وكُلِّ فعلٍ ممدوحٍ معروفٍ ومُتَعارفٍ عليهِ وحُسنُهُ واضحٌ؛ وفي المقابلِ، يجبُ عليهِم أيضًا أن يُحذّروا الناسَ وينهوهُم عَنِ المنكَرِ، وأن يُنبّهوا الجاهلينَ ـ الذينَ ليسَ لديهِم عِلمٌ بالحُسنِ والقُبحِ الشرعيّين والعقليّين ـ إلىٰ المعروفِ والمنكَرِ!

  • عِلّةُ عدمِ حُجّيّةِ عملِ الناسِ وعُرفِ المجتمعِ في تشخيصِ المعروفِ والمنكَرِ

  • أشرتُ سابقًا إلى أنّهُ بالالتفاتِ إلىٰ المسائلِ الماضيةِ، لا يُمكِنُ لعملِ العُرفِ والناسِ أن يكونَ مِلاكًا للخيرِ والفسادِ. فالناسُ في تشخيصِهم للصلاحِ والفسادِ، يمتلكونَ أفكارًا ناقصةً؛ فهُم يبنونَ أعمالَهُم لسنينَ طويلةٍ علىٰ شائعةٍ ما، ثُمّ يُدركونَ أنّها كذبٌ. حسنًا، لو كانت لديهِم قُوّةُ تشخيصٍ، لَعرَفوا مِنَ الأوّلِ! يبنونَ حياتَهُم لعشراتِ السنينَ علىٰ أمرٍ كاذبٍ، ثُمّ يُدركونَ أنّهُ كانَ خطأً؛ فمِنَ الواضحِ أنّهُم لم يمتلكوا قُوّةَ التشخيصِ! 

  • إذن، هذهِ الآيةُ المباركةُ التي تقولُ: ﴿وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ﴾، ما هو المقصودُ بالمعروفِ فيها؟ هل هو المعروفُ الذي يعملُ بهِ العُرفُ ويَعدُّهُ معروفًا؟ وبعبارةٍ أُخرىٰ، هل تشخيصُ المعروفِ يقعُ علىٰ عاتقِ العُرفِ والناسِ؟ أبدًا؛ فأهواءُ الناسِ وآراؤُهم تتدخّلُ في تشخيصِ المعروفِ، وهذا لا يُمكِنُ أن يكونَ مِلاكًا للمعروفِ والمنكَرِ! إنّ كُلّ ثقافةٍ وكُلّ حضارةٍ ومجتمعٍ، وبمقتضىٰ ما يمتلكُهُ مِن آراءٍ جاهليّةٍ، يجعلُ أُمورًا معروفًا، وأُمورًا أُخرىٰ منكَرًا؛ ورُبّما تكونُ هذهِ الأُمورُ مِن ناحيةِ الثبوتِ والواقعيّةِ في نُقطتَينِ متقابلتَينِ؛ ﴿وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَهِ﴾.٣ إنّ الأُمورَ التي يعملُ بها الناسُ ويعدّونَ تجاوزَها منكَرًا، رُبّما يكونُ بينها وبينَ الأُمورِ الثبوتيّةِ والنفس أمريّة تفاوتٌ فاحشٌ وبَونٌ بعيدٌ عَنِ الواقعيّةِ؛ ولهذا، لا يُمكِنُ لعملِ الناسِ أن يكونَ مِلاكًا لعملِنا. أظنُّ أنّ المسائلَ التي ذُكِرَت في الأيّامِ الماضيّةِ حولَ هذا الموضوعِ كافيةٌ ووافيةٌ لأداءِ هذا الغرضِ.

    1. سورة الأعراف، الآية ۱٩٩.
    2. سورة آل عمران، الآية ۱۰٤.
    3. سورة الأنعام، الآية ۱۱٦.