
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
نظرة تحليليّة في التقاليد المجتمعيّة؛ من العادات الجاهليّة إلى تقاليد النيروز وحادثة كربلاء
ما هو الملاك لتمييز الحقّ من الباطل؟ وهل يصحّ الركون إلى العادات والتقاليد المجتمعيّة واعتبارها ميزانًا لتحديد «المعروف» و«المنكر»؟ وكيف نُقيّم التقاليد المعاصرة وفقًا للموازين الشرعيّة؟ وما هو وجه الارتباط بين الانحراف العميق للعُرف الجاهليّ والمأساة العظمى في كربلاء؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، حيث تسلّط الضوء على المعنى الدقيق لمفردتي «العرف» و«المعروف» في ثقافة القرآن الكريم، وتُبيّن بالبراهين والشواهد التاريخيّة أنّ المدار الحقّ في تقييم الأمور يجب أن يستند حصرًا إلى ملاكات الشريعة.
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
11أهميّةُ الرؤيةِ التوحيديّةِ في الوصولِ إلىٰ المِلاكاتِ الحقيقيّةِ للشريعةِ
أتذكّرُ قبلَ عِدّةِ سنواتٍ كُنتُ أستمعُ إلىٰ حديثٍ لأحدِ المشايخ والعُلماءِ المعروفينَ، المرحوم الحاجّ الشيخ فضل الله المحلاّتي ـ كانَ رجلاً طيّبًا، رَحِمَهُ الله ـ، ويبدو أنّهُم بثّوا حديثَهُ في السنةِ التي تلت شهادتَهُ في تلكَ الحادثةِ المُفجِعةِ لإسقاطِ الطائرةِ بواسطةِ صدّام اللعين، وكُنتُ أستمعُ إليهِ. سمعتُه يقولُ مسألةً، وتوصّلتُ مِن هذه المسألةِ إلىٰ مجموعة من النقاط. كانَ رجلاً جيّدًا وطيّب النفسِ، ويبدو أنّهُ كانَ شخصًا صادقًا في عملِهِ، وقد سَمِعتُ حديثًا مِنهُ ورأيتُ أنّهُ يلحظُ في أحاديثِهِ قصدَ القُربى وطلبَ الخيرِ؛ ولهذا، دعوتُ لهُ بالمغفرةَ والرحمةَ. كانَ يقولُ:
في ذروةِ أحداثِ الثورةِ، والتي كانت يبدو أنّها الليلةُ الأخيرةُ، حيثُ كانتِ الأُمورُ تقتربُ مِن نهايتِها والقضايا تُحسَمُ، جاؤوا وقالوا لنا: «لقد سيطرنا علىٰ جهازِ إرسالٍ، ويُمكِنُنا مِن نُقطةٍ ما أن نُوصِلَ أخبارَكُم ومسائلَكُم إلىٰ مسامعِ الناسِ». تحرّكنا فورًا، وجئنا، وذهبنا إلىٰ هناكَ، وقُلنا: حسنًا، ماذا نقولُ؟ قُلنا: لنطرح هناكَ مسألةَ الثورةِ والخبرَ الأوّلَ والفكرةَ الأُولىٰ والمسألةَ التي تتطابقُ معَ رُؤىٰ وأهدافِ الثورةِ الإسلاميّةِ في إيران. ولهذا، وضعنا نشيدًا هناكَ ـ ولابُدّ أنّ الرفقاءَ يعلمونَ ذلكَ ـ؛ وبعدَ ذلكَ، جاءتِ المسائلُ الأُخرىٰ شيئًا فشيئًا. والخُلاصةُ، أنّهُ بحمدِ الله وصلَ هذا الأمرُ إلىٰ النصرِ، وانتصرَ الشعبُ المسلمُ علىٰ قُوىٰ الطاغوتِ، وحُسِمَتِ المسألةُ.
عندما سَمِعتُ هذهِ المسألةَ، تذكّرتُ كلامًا لأحدِ العُظماءِ، حيث كانَ يقولُ في ذلكَ الزمانِ نفسِهِ: كم كانَ جيّدًا لو أنّهُ بدلاً مِن هذهِ المسائلِ التي نُشِرَت في بدايةِ الأمرِ، نُشِرَت تلكَ المسائلُ التوحيديّةُ، وذلكَ الكلامُ الذي قالَهُ النبيُّ الأكرمُ صلّى الله عليهِ وآلِهِ عندَ فتحِ مكّةَ، وعندَ القضاءِ علىٰ الطاغوتِ، وتحطيمِ الأصنامِ، والقضاءِ علىٰ الشركِ والكُفرِ في عاصمةِ الجزيرةِ العربيّةِ ومركزِ ومِحوَرِ انتشارِ الأخبارِ في الجزيرةِ العربيّةِ.۱
عندما جاءَ جيشُ المسلمينَ، وانتصروا علىٰ الشركِ والكُفرِ، وحطّموا الأصنامَ، وأحلّوا التوحيدَ مَحلّ الشركِ، وأحلّوا الإسلامَ مَحلّ الكُفرِ؛ في مِثلِ هذهِ الظروفِ، أمرَ النبيُّ الأكرمُ صلّى الله عليهِ وآلِهِ أن يُنادوا بهذا الشكلِ، وجاءَ النبيُّ نفسُهُ، ولدينا أنّهُ: ضربَ بيَدَيهِ علىٰ أستارِ الكعبةِ، وقالَ هذهِ الكلماتِ:
- راجع: الشمس المنيرة، ص ۱٣٦.
