
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
متاهة العبادة بلا ولاية، وفلسفة “طبيب النفوس” في كبح أهواء السالكين وملاكات التقليد.
هل يُمكن أن تتوقّف مسيرة كمالك الروحيّ رغم مائة عامٍ من العبادة؟ ولماذا قد يمنع النبيّ ﷺ أحد أصحابه من أداء فريضة كالحجّ أو الجهاد؟ وكيف اختصر العلاّمة الطباطبائيّ معيار اختيار المرجع الحقيقيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، حيث يُبيّن سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه استحالة عبور حُجُب الغيب بالاعتماد المجرّد على العقل البشريّ الذي تُعدّ نسبة علومه إلى مجهولاته كنسبة الصفر إلى ما لانهاية. وتؤكّد المحاضرة على ضرورة الانقياد التسليميّ لطبيب النفوس، لتُختتم بتجلّيات هذا التسليم في كربلاء ومجلس الشام.
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
6الوصول إلى مراتب اليقين العليا عبر تجاوز الرغبات النفسانيّة
هنا، وفي هذه المرحلة والمرتبة بالذات، يجب على الإنسان أن يُنحّي رغباته جانبًا، وأن يُجسّد نقطة الاحتمال ومساحة الفراغ نُصب عينيه. وعليه أن يتحرّك باحتياط في كلّ خطوة يريد أن يخطوها، وأن ينظر إلى المسائل بتأمّل وتعمّق، وأن يستحضر الآية الكريمة: ﴿وَكَأَيِّن مِّن ءَايَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُم عَنهَا مُعرِضُونَ﴾.۱ فهذا هو الموضع، وهذه هي المرحلة الآن!
النقطة المهمّة هنا هي أنّه على الرغم من أنّ فهمنا وبصيرتنا تجاه القضايا قد يكونان بحيث يُشكّلان لنا مأمنًا ومُنجّزًا من الناحية الظاهريّة ـ وبعبارة أخرى، يُوجِدان الحجّية من الناحية الظاهريّة فلا نُعذَّب ولا نُعاقب يوم القيامة ـ ولكن، هل تنتهي المسألة عند هذا الحدّ؟! وهل يجب أن نكتفي بهذه المرحلة ونتجاوز القضايا؟! حسنًا، ها هو الميدان، فليتفضّل مَن يشاء!
لا تنتهي المسألة بهذه الكيفيّة، بحيث نفرح لمجرّد وصولنا إلى مسألة من الناحية الظاهريّة ونُهمل المسائل الأخرى، متوهّمين أنّنا نملك مأمنًا في يوم القيامة. إنّ هذه المسألة تختلف باختلاف الأفراد، وسيُحاسب اللهُ تعالى كلَّ إنسان يوم القيامة بناءً على فكره ورأس ماله وغرائزه وما حباه به من نِعَمٍ.
وظيفة النبيّ الأكرم في رقيّ البشريّة وتعاليها
وهنا، يُبيّن أمير المؤمنين عليه السلام وظيفةَ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بياناً شافياً، مُوضّحًا ما يقوم به، فيقول: «طَبيبٌ دَوّارٌ بِطِبِّهِ؛ قَد أحكَمَ مَراهِمَهُ وأحمىٰ مَواسِمَهُ!».٢ أي إنّه كان طبيبًا حاذقًا ومتبحّرًا في مداواة المرضى. وعندما كان يريد وضع المرهم والتفضّل باللطف والعناية، كان يفعل ذلك بإحكام وبشكل صحيح وفي مكانه المناسب؛ فكان يُعطي الحلوى في وقتها المحدّد! وعندما كان الموقف يتطلّب المشرط، كان يأتي في ذلك الوقت وتلك اللحظة، ويستعمل مشرطه!
إنّ ما يفعله النبيّ ليس مجرّد بيانٍ لحكم شرعيّ، فهو لا يأتي لبيان مسألة فحسب ثمّ يمضي لشأنه؛ كلاّ! إنّ النبيّ الأكرم يُبيّن الحكم، ويُبيّن هو نفسه مصداق تنفيذ هذا الحكم، ويتولّى بنفسه تطبيق هذا الحكم. ولذلك، نرى أنّه في مورد يكون رأيُ الفرد فيه متّجهًا نحو طريقة معيّنة للوصول إلى قضيّة ما، فيأتي النبيّ الأكرم، ويُثنيه عن ذلك ويقول له: لا تفعل هذا! وفي مورد آخر، يصل فيه المرء من خلال الحكم الظاهريّ إلى مسألة في ذهنه، فيقول له رسول الله خلافًا لرأيه: توقّف في هذه المرحلة، وافعل كذا وكذا!
- سورة يوسف، الآية ۱۰٥.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ۱، ص ٢۰۷.
