
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
متاهة العبادة بلا ولاية، وفلسفة “طبيب النفوس” في كبح أهواء السالكين وملاكات التقليد.
هل يُمكن أن تتوقّف مسيرة كمالك الروحيّ رغم مائة عامٍ من العبادة؟ ولماذا قد يمنع النبيّ ﷺ أحد أصحابه من أداء فريضة كالحجّ أو الجهاد؟ وكيف اختصر العلاّمة الطباطبائيّ معيار اختيار المرجع الحقيقيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، حيث يُبيّن سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه استحالة عبور حُجُب الغيب بالاعتماد المجرّد على العقل البشريّ الذي تُعدّ نسبة علومه إلى مجهولاته كنسبة الصفر إلى ما لانهاية. وتؤكّد المحاضرة على ضرورة الانقياد التسليميّ لطبيب النفوس، لتُختتم بتجلّيات هذا التسليم في كربلاء ومجلس الشام.
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
4سنصل إن شاء الله في المباحث القادمة إلى هذه المسألة، وهي: ما هو الفرق بين حجّية العقل من جهة ترتّب الأثر، وبين عدم تنجّزه في مسائل الكمال النفسانيّ وفي مختلف القضايا؟ ومن أيّ باب يكون ذلك؟ وكيف تنتفي المنافاة بين هاتين القضيّتين؟ وكيف يجب حلّ هذه المسألة؟ حيث إنّ الشارع والوجدان والفطرة تمنح العقل حجّيةً من جهة، وتعدّه منجّزًا لترتّب الأثر؛ لكن، من جهة أخرى، فإنّ العقل لا يكون كافيًا للوصول إلى المطلوب، بل يحتاج الإنسان إلى الشريعة وإلى النبيّ وإلى من يأخذ بيده. فكيف ينبغي حلّ هذه المسألة؟ لأنّ حلّها ضروريّ للمسألة المقصودة هنا؛ أعني كيفيّة استكشافنا لسيرة الأئمّة عليهم السلام، وكيف نستخرج السيرة من التاريخ، وهل يُمكننا الوصول إلى مثل هذا الملاك أم لا؟ فهذا بحثٌ يتفرّع العلم به على إدراكنا لهذه القضيّة: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلعِلمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾!
علّة إمكانيّة وقوع الخطأ في إدراكات الإنسان العقليّة
إنّ مقدار المعلومات التي تفضّل بها الله تعالى علينا، قياسًا إلى المجهولات التي تُواجهنا، هو نسبة الصفر إلى اللاّنهاية، وليس نسبة الواحد إلى اللاّنهاية! فالمسائل الموجودة في عالمي المُلك والملكوت، والقضايا التي تجري خلف الستار والتي لا يُمكن لي ولأمثالي الوصول إليها بأيّ وجه من الوجوه، كثيرة جدًّا إلى درجة أنّه لا يُمكن التحرّك قيد أنملة دون أن يأخذ العظماء بأيدينا. فنحن لا نستطيع التحرّك بعقولنا، ولا نمتلك القابليّة أبدًا للتحرّك بمفردنا اعتمادًا على هذه البصيرة وهذا العلم الذي منحنا الله تعالى إيّاه!
لقد كان أحد العظماء يتمتّع بمقام علميّ شامخ، وكان إنسانًا في غاية التقوى والزهد، سديد الفكر والرأي، وشديد التديّن، حتّى إنّ المرء لا يجد نفسه في غنًى عن التتبّع والبحث في مسائله. وقد قال هذا العالِم لأحد الأشخاص الذي نقل لي كلامه: أشعر الآن أنّني في الدرجة العشرين من حيث الوصول إلى المراتب العقليّة؛ أي إنّ عقلي قد بلغ الدرجة العشرين من جهة إدراك المسائل الكلّية، ولم يعُد هناك أمر مجهول بالنسبة لي، وقد انكشفت لي المسائل والحوادث على أتمّ وجه، ولم تبق لديّ أيّة قضايا مجهولة!
