
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
متاهة العبادة بلا ولاية، وفلسفة “طبيب النفوس” في كبح أهواء السالكين وملاكات التقليد.
هل يُمكن أن تتوقّف مسيرة كمالك الروحيّ رغم مائة عامٍ من العبادة؟ ولماذا قد يمنع النبيّ ﷺ أحد أصحابه من أداء فريضة كالحجّ أو الجهاد؟ وكيف اختصر العلاّمة الطباطبائيّ معيار اختيار المرجع الحقيقيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، حيث يُبيّن سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه استحالة عبور حُجُب الغيب بالاعتماد المجرّد على العقل البشريّ الذي تُعدّ نسبة علومه إلى مجهولاته كنسبة الصفر إلى ما لانهاية. وتؤكّد المحاضرة على ضرورة الانقياد التسليميّ لطبيب النفوس، لتُختتم بتجلّيات هذا التسليم في كربلاء ومجلس الشام.
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
13هو لا يُمكنه أن يقول مثل هذا الكلام، بل يجب عليّ أنا أن أفهم هذا الأمر! فلا يُمكن القول للإمام الحسين: يا سيّدي، افعل كذا، ولا تفعل كذا! فهو يفعل ما يشاء ويُريد. هذا هو ما يُسمّى بفهم الدين! «إلاّ أن يَرزُقَ اللَهُ رَجُلاً فَهمًا في دينِهِ»؛ اللهمّ إلاّ أن يقسم الله لنا فهمًا في دينه!
حكمة صبر رسول الله عند صعود الإمام الحسين على ظهره في سجدة صلاة الجماعة
يصل الأمر إلى حدّ أنّ أحد اعتراضاتنا هو: رسول الله في حالة السجود يُصلّي، وهؤلاء الناس ينتظرونه هكذا، فيأتي الإمام الحسين عليه السلام ـ هذا الطفل البالغ من العمر بضع سنوات ـ ويصعد على ظهر النبيّ ولا ينزل؛ ولا يرفع رسول الله رأسه من السجود، ويصبر حتّى ينزل سيّد الشهداء بنفسه!۱ إنّ عمل رسول الله هذا لا يترك مجالاً للاعتراض بالقول: يا رسول الله، كلّ هؤلاء الناس ينتظرونك ويأتمّون بك في الصلاة، وهو طفل صغير، فضعه جانبًا! هذا هو الفهم؛ فرسول الله يعلم أنّ مجرّد إزالته لسيّد الشهداء عن ظهره وإنزاله له، أشدّ كراهة عنده من إبقاء هذا الجمع منتظرين! يعلم رسول الله هذا الأمر، ولكنّنا لا نعلمه!
تعامل الأمّة الظالمة مع أهل بيت رسول الله
ثمّ انظروا ما الذي يفعله هؤلاء الناس وهذه الأمّة مع مَن يُؤخّر النبيُّ الأكرم صلاتَه لأجله كلّ هذا الوقت، ولا يرضى بإنزاله عن ظهره في سنيّ طفولته!
«يُساقونَ كَما تُساقُ السَّبايا»؛٢ أي: يسوقون أهل البيت كما تُساق الإماء والعبيد!
ويا ليتهم اكتفوا بسوقهم كالعبيد فحسب! بل وضعوا الجامعة والسلاسل في عُنق سيّد الساجدين، وطافوا به في البلدان! إنّ أهل البيت الذين أحاط قمر بني هاشم وإخوته بهودجهم عند خروجهم من المدينة لئلاّ تقع عين محرم على عباءة زينب؛٣ يُطاف بهم اليوم مكشوفي الوجوه في أسواق الكوفة والشام وأزقّتها!٤ فانظروا إلى البون الشاسع بين الحالين!
كيفيّة دخول قافلة أهل البيت إلى مدينة الشام
ينقل سهل بن سعد الساعديّ، وهو من صحابة رسول الله، قائلاً [ما معناه]: كنت أتجوّل بالشام، فرأيتُ المدينة مزيّنةً والناس يُهلهلون ويفرحون. ولم أكن أعلم ما الخبر، فتقدّمت ورأيت بضعة أشخاص يجلسون في خربة يلطمون رؤوسهم ووجوههم. فتقدّمت وسألت: ما الخبر؟ ولماذا زيّنوا المدينة؟! فقال أحدهم: «أوَلست من أهل هذه المدينة؟!». فقلت: لا، أنا سهل بن سعد الساعديّ من أصحاب رسول الله. فلطموا حينها على وجوههم وقالوا: «لا نعلم لماذا لا تمطر السماء دمًا ولماذا لا تخسف الأرض بأهلها؟!». فقلت: وما الخبر؟! قالوا: «هم الآن يجيئون برأس ابن النبيّ!». فسألت: من أين؟ قالوا: «من باب الساعات!». فمضيتُ؛ وفجأةً، رأيتهم قد جاءوا بالرؤوس. وكانت السيّدة سكينة سلام الله عليها تسير أمام رأس سيّد الشهداء عليه السلام، فتقدّمتُ وقلت: يا بنت رسول الله، أنا سهل بن سعد الساعديّ، فهل لكم من حاجة؟ فقالت السيّدة سكينة: «يا سهل، هل معك دراهم؟». قلت: نعم! فقالت: «اذهب إلى ذلك الشخص حامل هذه الرؤوس، وأعطه هذا المال وقل له أن يُقدّم الرؤوس للأمام حتّى ينشغل الناس بالنظر إليها ولا ينظروا إلينا هكذا!».٥
- شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار عليهم السلام، ج ٣، ص ۱۱۷.
- اللهوف، ص ۱٣٣، مع اختلاف يسير.
- موسوعة الإمام الحسين عليه السلام، ج ۱، ص ٣٣٣.
- المصدر نفسه، ج ٥، ص ٣٥۸ ـ ٣٦٣.
- المصدر نفسه، ج ٦، ص ٣٦٤.
