
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
متاهة العبادة بلا ولاية، وفلسفة “طبيب النفوس” في كبح أهواء السالكين وملاكات التقليد.
هل يُمكن أن تتوقّف مسيرة كمالك الروحيّ رغم مائة عامٍ من العبادة؟ ولماذا قد يمنع النبيّ ﷺ أحد أصحابه من أداء فريضة كالحجّ أو الجهاد؟ وكيف اختصر العلاّمة الطباطبائيّ معيار اختيار المرجع الحقيقيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، حيث يُبيّن سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه استحالة عبور حُجُب الغيب بالاعتماد المجرّد على العقل البشريّ الذي تُعدّ نسبة علومه إلى مجهولاته كنسبة الصفر إلى ما لانهاية. وتؤكّد المحاضرة على ضرورة الانقياد التسليميّ لطبيب النفوس، لتُختتم بتجلّيات هذا التسليم في كربلاء ومجلس الشام.
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
12وجوب التعبّد المحض مقابل مقام الولاية والإمامة
عندما دخلنا تحت خيمة الإمام الحسين، لم يعُد لنا حقّ في الاعتراض والنقاش وإبداء الرأي! فما شأننا بما يُريد الإمام الحسين فعلَه؟! وما عسانا أن نعرف؟! فهل يجب علينا أن نُحدّد التكليف لذلك الإمام؟! إنّ قولنا: «يا سيّد الشهداء، افعل كذا في هذا الموقف» هو كلام باطل! وقولنا: «يا ابن رسول الله، افعل هذا في هذه المرحلة» هو أمر خاطئ! وتساؤلنا: «لماذا لم تفعل كذا في تلك المرحلة، ولماذا لم تفعل ذلك هناك؟» هو تساؤل باطل! إذ لا ينبغي أساسًا إبداءُ الرأي أمام سيّد الشهداء!
اختلاف أحكام الشرع في الموارد والمواقف المختلفة
لقد ذكرتُ مسألة في أحد المجالس، ولا أرى بأسًا من التذكير بها هنا، وهي أنّ: «الأحكام تختلف بناءً على الموارد والمواقف المختلفة». ونُريد الانطلاق من هذه المسألة للوصول إلى أمر آخر.
على سبيل المثال، يُقال: يُستحبّ للإنسان أن يُلقي السلام. نعم، فإلقاء السلام مستحبّ، ويوجب الاستئناس والألفة، ويجلب رحمة الله وسلامه. وعندما نقول: «السلام!»، فذلك يعني: سلام الله عليك، لا سلامي أنا؛ أي: لِتحُلّ عليكَ تحيّة الله، ولِتبلُغ مقامَ السلامة، ولِيُدخلك اللهُ في سلامته وسلمه! هذه هي معاني السلام. ولكنّ الحديث هنا هو أنّه يُقال في بعض المواقف: لا تُلقِ هذا السلام المستحبّ! فمثلاً، إذا كان الخطيب يقرأ خطبة ويتحدّث، فلو أردت أن تُسلّمَ عليه لتشتّتَ انتباهُه؛۱ ولهذا، لا ينبغي لك إلقاء السلام! أو على سبيل المثال، شخص موجود في الحمّام منهمك في شأنه ويُنظّف نفسه، فلو سلّمت عليه لوجب عليه الردّ و…، ولذا يُقال: لا تسلّموا في مثل هذه الحال!٢
وسؤالي هنا هو: لو كان النبيّ ـ على سبيل المثال ـ جالسًا ولا يتحدّث، بل هو غارق في حاله وتفكيره، فهل ثواب السلام على النبيّ أعظم، أم ثواب السكوت والمضيّ والجلوس في زاوية وعدم إخراج النبيّ من تلك الحال وذلك الموقف؟ أيّهما أعظم؟ هذا هو عينه ما أتحدّث عنه. فالمسائل تُصبح دقيقة جدًّا وترتقي كثيرًا.
عندما يُصلّي إمام الجماعة ويكون في الركوع، يُقال: قل فقط «يا الله»، بمقدار ما تُعلمه بوجودك، فيتأمّل هو بمقدار ذكرِ ركوعٍ واحد، ثمّ يرفع رأسه. وحديثي هو: لو كان الإمام عليه السلام ـ على سبيل المثال ـ في حال الركوع، وأراد أن يرفع رأسه منه، فبمجرّد أن يهمّ بالنهوض، تقول له: «يا الله، ﴿إِنَّ ٱللَهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾»!٣ أو تقول له ـ لا سمح الله ـ: «العَجَلَةُ مِنَ الشَّيطانِ»،٤ وما شابه ذلك، لكي يصبر الإمام هناك! لِتُضرب بتلك الصلاة على رأسك! هل تُريد بعملك هذا أن تُرجّح رغبتك على رغبته التي تتمثّل الآن في النهوض من الركوع؟!
- الكافي، ج ٣، ص ٤٢۱.
- الخصال، ج ٢، ص ٤۸٤.
- سورة البقرة، الآية ۱٥٣.
- المحاسن، ج ۱، ص ٢۱٥.
