
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
متاهة العبادة بلا ولاية، وفلسفة “طبيب النفوس” في كبح أهواء السالكين وملاكات التقليد.
هل يُمكن أن تتوقّف مسيرة كمالك الروحيّ رغم مائة عامٍ من العبادة؟ ولماذا قد يمنع النبيّ ﷺ أحد أصحابه من أداء فريضة كالحجّ أو الجهاد؟ وكيف اختصر العلاّمة الطباطبائيّ معيار اختيار المرجع الحقيقيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، حيث يُبيّن سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه استحالة عبور حُجُب الغيب بالاعتماد المجرّد على العقل البشريّ الذي تُعدّ نسبة علومه إلى مجهولاته كنسبة الصفر إلى ما لانهاية. وتؤكّد المحاضرة على ضرورة الانقياد التسليميّ لطبيب النفوس، لتُختتم بتجلّيات هذا التسليم في كربلاء ومجلس الشام.
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
11عدم تغيّر رأي أولياء الله بسبب الكشف التفصيليّ للواقع
ولذلك، لا يحصل أبدًا أيّ تبدّل في رأي النبيّ والإمام والوليّ؛ فالأمر ليس بأن يأخذ المسألة من جهة، ثمّ يُغيّر رأيه فيها! كلاّ، لا يتبدّل رأيُه أبدًا؛ لأنّه يرى القضايا الكامنة من ورائها! ويجب أن يكون التعبّد لهذا الفرد بالذات، لا لغيره! ويجب أن ينتهي علمُنا الإجماليّ إلى علم تفصيليّ؛ وهذا العلم التفصيليّ موجود عند الإمام والنبيّ والوليّ؛ ولا ينبغي أن يؤول علمُنا الإجماليّ هذا إلى علم إجماليّ آخر، وشبهة أخرى، ونطاق أوسع، ليُقال: «خُذ أحد هذه الموارد ـ رجماً بالغيب ـ واعمل به، وإن شاء الله ستكون معذوراً!». كلاّ، فالتعبّد يجب أن يكون مِنَّا، وانكشاف الواقع يجب أن يكون من النبيّ؛ والطاعة يجب أن تكون منّا، وكشف الواقع تفصيلاً ـ لا إجمالاً ـ يجب أن يكون من الوليّ والإمام؛ ولهذا، لا يتغيّر رأيه أبدًا.
إنّ كلام أولئك الذين يقولون باحتماليّة تغيّر آراء العظماء هو كلام باطل وخاطئ مائة بالمائة! مَن قال إنّ تغيّر الرأي ممكن؟! نعم، قد يُصرَّح بمسألة في فترة ما بناءً على مصلحة معيّنة؛ ولكنّ هذا يختلف عن تغيّر الرأي. غاية الأمر أنّه يتطلّب فهمًا وبصيرة لإدراك هذا الأمر! فكيف يُمكن اعتبار هذا تغيّرًا في الرأي؟!
لا ينبغي أخذ المسائل بسطحيّة، وإلاّ لو كان الأمر بخلاف ذلك، لاختلف الوضع كثيرًا! فهل كان النبيّ الأكرم يجهل أبا بكر ولا يعرفه منذ البداية حين أعلن إسلامه؟! لقد كان يعرفه، ولكنّ تصرّف النبيّ الأكرم في كلّ مرحلة كان مبنيًّا على المصلحة التي يقتضيها حال مجتمع المسلمين.
ألم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يعرف سعد بن أبي وقّاص؟! ألم يقل له الإمام نفسه [ما مضمونه]: «إنّك لتربّي في بيتك جديًا سيكون غدًا قاتلاً لولد رسول الله»؟!۱ ألم يكن يعلم ذلك؟!
هذا هو عليّ! ويجب السير خلف هذا الشخص! فرأيُه لا يختلف وهو رأيٌ واحد! يجب أن تكون جميع القضايا من البداية حتّى النهاية مكشوفةً للنبيّ والإمام والأولياء! والحديث هنا هو أنّه إن لم يكن الأمر كذلك، فلن نكون [معهم]! فالمسائل تُطرح في كلّ مكان، والكلام موجود في كلّ مكان، وكلّ شخص يُبدي رأيه؛ ولا يُمكن القبول بالترجيح من دون مرجّح!
- راجع: كامل الزيارات، ص ۷٤؛ خصائص الأئمّة عليهم السلام، ص ٦٢؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ابن شهرآشوب، ج ٢، ص ٢۷۰.
