
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
متاهة العبادة بلا ولاية، وفلسفة “طبيب النفوس” في كبح أهواء السالكين وملاكات التقليد.
هل يُمكن أن تتوقّف مسيرة كمالك الروحيّ رغم مائة عامٍ من العبادة؟ ولماذا قد يمنع النبيّ ﷺ أحد أصحابه من أداء فريضة كالحجّ أو الجهاد؟ وكيف اختصر العلاّمة الطباطبائيّ معيار اختيار المرجع الحقيقيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، حيث يُبيّن سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه استحالة عبور حُجُب الغيب بالاعتماد المجرّد على العقل البشريّ الذي تُعدّ نسبة علومه إلى مجهولاته كنسبة الصفر إلى ما لانهاية. وتؤكّد المحاضرة على ضرورة الانقياد التسليميّ لطبيب النفوس، لتُختتم بتجلّيات هذا التسليم في كربلاء ومجلس الشام.
حُجُب العقل وأنوار اليقين: التعبّد المطلق للوليّ كشرطٍ جوهريّ في السلوك التوحيديّ
10هنا، لا يعود الإكثارُ من النقاش والاعتراض جائزًا. فيجب على الإنسان أن يبذل قُصارى جهده للوصول إلى النبيّ والإمام والوليّ؛ ولكن بمجرّد أن يصل، يجب عليه أن يُطبق شفتيه، وينتهي الأمر!
كلام العلاّمة الطباطبائيّ بخصوص ملاك اختيار مرجع التقليد
كنّا جالسين ذات يوم في محضر العلاّمة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في جلسة السؤال والجواب أيّام الخميس، فجاء شابّ زكيّ النفس شديد الاستعداد، وكان يجلس حوله بعض الأشخاص. وكان هؤلاء قد طرحوا على الشابّ مسائل متعدّدة حول مسألة التقليد فشوّشوا ذهنه، وأرشدوه، فجاء إلى منزل العلاّمة وسأله: «سيّدي، مَن يجب عليّ أن أتّبع وأقلّد؟».
قدّم له العلاّمة ملاكات ومعايير تختلف عن هذه الملاكات المتداولة، وقال له أمورًا قلّما يُتحدّث عنها؛ حيث قال: يجب أن يكون شخصًا خاليًا من الهوى، غير متعلّق بالدنيا، وقد وصل بنفسه إلى حقيقة الأحكام والمسائل، ولَمِس القضايا!
فبدأ بعضُ الحاضرين في ذلك المجلس يتحدّثون قائلين: «يا سيّدي، لا يحتاج التقليد إلى كلّ هذا الكلام! اذهب وخذ رسالة عمليّة، وقلّد صاحبها!». فتأثّر ذلك الشابّ قليلاً بهذا الكلام، والتفت إلى العلاّمة قائلاً: «حسنًا يا سيدي، إذا أردنا البحث عن هذا الشخص الذي تقترحونه، فقد يستغرق منّا ذلك سنتين أو ثلاثًا أو عدّة سنوات من البحث!».
فقال العلاّمة كلمةً يجب أن تُكتب بماء الذهب حقًّا، حيث قال: «هل يستحقّ الأمر ذلك أم لا؟!».
إذا لم يكن الأمر يستحقّ، فحسنًا، توجد في هذه المكتبة مائة وخمسون رسالة عمليّة! اذهب وخذ واحدة منها! ولكن، لأنّ العلاّمة رأى في هذا الشابّ استعدادًا، قال له: إنّ مسألة التقليد ليست مسألة هيّنة ومزاحًا! وليست مجرّدَ أداءٍ لعملٍ ما، بل هي مسألة حياة أو موت! فمسألة التقليد لا تقتصر على الصلاة والصوم، بل تعمّ جميع الأحكام؛ وفي جميع هذه الأحكام، تكمن الحياة والموت، والسعادة والشقاء، والفلاح والخسران، والنجاح والفشل؛ هذا هو التقليد! فانظر الآن أيّة قلادة تضعها في رقبتك، وفي يد مَن تسلّمها؟ لقد قال له: «هل يستحقّ الأمر أن تبحث لعدّة سنوات أم لا؟!». لقد قال هذا لشابّ عاديّ! فما هو تكليفنا نحن إذن؟ هذا أمر آخر يُترك للتأمّل!
