
خطر علماء السوء على الكيان الإسلاميّ وتحريف النصوص الدينيّة خدمةً للأطماع
التشكيك في أسانيد نهج البلاغة وحقيقة المقام الشامخ لأبي الفضل العبّاس عليه السلام
كيف يتسلّل الاستعمار لضرب الكيان الإسلاميّ من الداخل؟ وما هو الدور المخرّب لعلماء السوء في تحريف الدين وتبرير سياسات تُخالف السنّة مثل “تحديد النسل”؟ ولماذا يسعى البعض لإسقاط حجّية خُطب نهج البلاغة حين تتعارض مع أهوائهم؟ وما هي حقيقة المقام العظيم لأبي الفضل العبّاس عليه السلام وعظمة تضحيته في كربلاء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات، وتكشف النقاب عن أهميّة البصيرة، وضرورة الاعتماد على اليقين الباطنيّ، والحذر من التلاعب بالدين والمفاهيم الإسلاميّة الأصيلة.
خطر علماء السوء على الكيان الإسلاميّ وتحريف النصوص الدينيّة خدمةً للأطماع
9جميع الأحكام الإسلاميّة مبنيّة على تحمّل المشقّة؛ فالإسلام يقول: عندما تستطيع، يجب أن تذهب للحجّ؛ سواء كان الجوّ حارًّا أم باردًا، فلا فرق! وعندما يكون كيان الإسلام في خطر، يجب أن تُدافع عنه؛ سواء قُتلت أم لم تُقتل، فلا فرق! وعندما يحلّ شهر رمضان، يجب أن تصوم؛ سواء كان صيفًا أم شتاءً! فالراحة ليست مطلوبة!
كلام أمير المؤمنين في بيان معنى التأسي بالنبيّ الأكرم
رابعًا: عندما يطرح أميرُ المؤمنين عليه السلام مسألة التأسّي في نهج البلاغة، فإنّه يقول [ما معناه]: إن شئت اقتديت بموسى، وإن شئت اقتديت بعيسى، وإن شئت اقتديت بنبيّك!
ثمّ يقول في شأن النبيّ عيسى عليه السلام [ما مضمونه]: كان متّكأ عيسى حجارة الأرض، وفراشه بسيط الأرض، ولحافه السماء، وطعامه نباتات البريّة وبقولها!
ثمّ يقول [ما معناه]: وَلَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُهُ، وَلا مَالٌ وَلا وَلَدٌ يَحزُنُهُ.۱
فهل معنى كلام أمير المؤمنين هذا ألاّ نتزوّج؟! هل معنى كلام أمير المؤمنين الذي يُبيّن لنا فيه صفات النبيّ عيسى عليه السلام ألاّ نتزوّج كيلا نقع في الفتنة، وألاّ نُنجب الأولاد كيلا نُبتلى بالحزن والملل وهذه الأمور؟! هل هذا هو معنى كلامه عليه السلام؟ إذن، لماذا كان هو نفسه يتزوّج كثيرًا؟! ولماذا كان لديه كلّ هؤلاء الأولاد؟! ولماذا رُفضت الرهبانيّة في الإسلام؟!٢
إنّ هذا الكلام في مقام الإخبار؛ أي إنّه عليه السلام يُبيّن مسألة، ولكنّه لا يقول: كن أنت مثله أيضًا! يريد سلام الله تعالى عليه أن يضرب لنا مثلاً ونموذجًا في القضايا والأحداث؛ أي إنّ النبيّ عيسى عليه السلام كان على هذا النحو وهذا الحال من حيث التوجّه للدنيا وعلائقها؛ فكيف يدلّ هذا على أن تكون أنت أيضًا مثل النبيّ عيسى عليه السلام؟! وبناءً على هذا، تتّضح المسألة هنا جيّدًا؛ وأنّه كيف تتكاتف جهات مختلفة لتنفيذ قضيّة ما، حتّى يتمكّنوا من تطبيق إحدى المسائل في المجتمع.
ضرورة الدفاع بجدّيّة وقوّة أكبر عن مبادئ الإسلام في العصر الحاضر
أستغلّ هذه الفرصة هنا لأطرح أمرًا مهمًّا:
في مثل هذا الوضع الذي يكون فيه الإسلام الحقيقيّ والأصيل أحوج ما يكون إلى المدافعين أكثر من أيّ وقت مضى، وفي هذه المرحلة التي يتكاتف فيها الشرق والغرب للقضاء على الإسلام، فإنّ وظيفة الذين يشعرون بالمسؤوليّة ـ ليس على مستوى التعبّد والطاعة فحسب، بل أسمى من ذلك وعلى مستوى التعهّد ـ هي أن يعتبروا أنفسهم في خطّ واحد ومسار واحد مع البناة الحقيقيّين للإسلام ورُوّاد طرح القضايا الحقيقيّة للتشيّع، وأن يعتبر كلُّ واحد منهم نفسَه متعهّدًا وصاحب رسالة لتطبيق مقاصد الإسلام من خلال تلقّي تلك الحقيقة من الأحكام والمبادئ الإسلاميّة، وألاّ يتركوا العظماء وحدهم في طرح المبادئ الإسلاميّة الأصيلة؛ وهذه المسألة في غاية الأهمّية! لأنّنا عندما ننظر إلى المجتمع العلميّ وإلى مسار توظيف علوم آل محمّد في الحوزات العلميّة، نُلاحظ خطرًا حقيقيًّا يُهدّد الكيان الإسلاميّ بالزوال، حيث انبرى بعض العلماء لفصل المبادئ الإسلاميّة الأصيلة عن جسد الإسلام، واحدةً تلو الأخرى.
- المصدر نفسه (عبده)، ج ٢، ص ٥۷ ـ ٦۱:
«ولقَد كانَ فى رَسولِ اللَهِ صلّى الله علَيه وآلِه كافٍ لَكَ فى الأُسوَةِ، ودَلِيلٌ لَكَ علَى ذَمِّ الدُّنيا وعَيبِها وكَثرَةِ مَخازِيها ومَساوِيها؛ إذ قُبِضَت عَنهُ أطرافُها، ووُطِّئَت لغَيرِه أكنافُها، وفُطِمَ عَن رَضاعِها، وزُوِيَ عَن زَخارِفِها؛ وإن شِئتَ ثَنَّيتُ بِموسَى كَليمِ اللَهِ صلّى الله علَيهِ وسلّم [حَيثُ] إذ يَقولُ: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. * واللَهِ ما سَألَهُ إلّا خُبزًا يَأكُلُه! لأنّهُ كانَ يَأكُلُ بَقلَةَ الأرضِ، ولقَد كانَت خُضرَةُ البَقلِ تُرَى مِن شَفيفِ صِفاقِ بَطنِه لِهُزالِه وتَشَذُّبِ لَحمِه. وإن شِئتَ ثَلَّثتُ بِداوُدَ صلّى الله علَيهِ [وسلّمَ] صاحِبِ المَزاميرِ وقارِئِ أهلِ الجَنّةِ، فلَقَد كانَ يَعمَلُ سَفائفَ الخُوصِ بيَدِه ويَقولُ لجُلَسائهِ: أيُّكُم يَكفينِي بَيعَها ويَأكُلُ قُرصَ الشَّعيرِ مِن ثَمَنِها.
وإن شِئتَ قُلتُ فى عِيسَى بنِ مَريَمَ عليه السّلام، فلَقَد كانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ، ويَلبَسُ الخَشِنَ، ويَأكُلُ الجَشِبَ، وكانَ إدامُه الجوعَ، وسِراجُه باللَيلِ القَمَرَ، وظِلالُه فى الشِّتاء مَشارِقَ الأرضِ ومَغارِبَها، وفاكِهَتُه ورَيحانُه ما تُنبِتُ الأرضُ لِلبَهائمِ، ولَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُه ولا وَلَدٌ يَحزُنُه ولا مالٌ يَلفِتُه ولا طَمَعٌ يُذِلُّه، دابَّتُه رِجلاهُ وخادِمُه يَداهُ.
فتَأسَّ بِنَبيِّكَ الأطيَبِ الأطهَرِ، فإنّ فيهِ اسوَةً لمَن تَأسَّى وعَزاءً لمَن تَعَزَّى؛ وأحَبُّ العِبادِ إلى اللَهِ المُتَأسّي بنَبيِّهِ والمُقتَصُّ لِأثَرِه. قَضَمَ الدُّنيا قَضمًا ولَم يُعِرها طَرفًا، أهضَمُ أهلِ الدُّنيا كَشحًا وأخمَصُهُم مِن الدُّنيا بَطنًا، عُرِضَت علَيهِ الدُّنيا فأبَى أن يَقبَلَها، وعَلِمَ أنّ اللَهَ سُبحانَهُ أبغَضَ شَيئًا فأبغَضَهُ وحَقَّرَ شَيئًا فحَقَّرَهُ وصَغَّرَ شَيئًا فصَغَّرَهُ. ولَو لَم يَكُن فِينا إلّا حُبُّنا ما أبغَضَ اللَهُ ورَسولُه وتَعظيمُنا ما صَغَّرَ اللَهُ ورَسولُه، لَكَفَى بِه شِقاقًا لِلّهِ تَعالَى ومُحادَّةً عَن أمرِ اللَهِ تَعالَى! ولقَد كانَ صلّى الله علَيه وآله يَأكُلُ علَى الأرضِ، ويَجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ، ويَخصِفُ بيَدِه نَعلَهُ، ويَرقَعُ بيَدِه ثَوبَهُ، ويَركَبُ الحِمارَ العارِي ويُردِفُ خَلفَهُ، ويَكونُ السِّترُ علَى بابِ بَيتِه فتَكونُ فِيه التّصاويرُ فيَقولُ: "يا فُلانَةُ (لإحدَى أزواجِه) غَيِّبِيهِ عَنِّي؛ فإنّي إذا نَظَرتُ إليه ذَكَرتُ الدُّنيا وزَخارِفَها". فأعرَضَ عَن الدُّنيا بقَلبِه وأماتَ ذِكرَها مِن نَفسِه، وأحَبَّ أن تَغيبَ زينَتُها عَن عَينِه؛ لكَيلا يَتّخِذَ مِنها رِياشًا ولا يَعتَقِدَها قَرارًا ولا يَرجوَ فيها مُقامًا، فأخرَجَها مِن النَّفسِ وأشخَصَها عَن القَلبِ وغَيَّبَها عَن البَصَرِ. وكَذلِكَ مَن أبغَضَ شَيئًا أبغَضَ أن يَنظُرَ إليه وأن يُذكَرَ عِندَهُ.
ولقَد كانَ في رَسولِ اللَهِ ما يَدُلُّكَ علَى مَساوئِ الدُّنيا وعُيوبِها؛ إذ جاعَ فيها مَعَ خاصَّتِه وزُويَت عَنهُ زَخارِفُها مَعَ عَظيمِ زُلفَتِه. فلْيَنظُرْ ناظِرٌ بعَقلِه: أكرَمَ اللَهُ بِذلِكَ محمّدًا [صلّى اللَه علَيه وآلِه] أم أهانَهُ؟! فإن قالَ: "أهانَهُ"، فقَد كَذَبَ واللَهِ العَظيمِ بالإفكِ العَظيمِ! وإن قالَ: "أكرَمَهُ"، فلْيَعلَمْ أنّ اللَهَ قَد أهانَ غَيرَهُ حَيثُ بَسَطَ الدُّنيا لَهُ وزَواها عَن أقرَبِ النّاسِ مِنهُ! فتَأسَّى مُتَأسٍّ بنَبيِّهِ واقتَصَّ أثَرَهُ ووَلَجَ مَولِجَهُ، وإلّا فلا يَأمَن الهَلَكَةَ؛ فإنّ اللَهَ جَعَلَ محمّدًا عَلَمًا لِلسّاعَةِ ومُبَشِّرًا بالجَنّةِ ومُنذِرًا بالعُقوبَةِ، خَرَجَ مِن الدُّنيا خَميصًا ووَرَدَ الآخِرَةَ سَليمًا، لَم يَضَعْ حَجَرًا علَى حَجَرٍ حتّى مَضَى لِسَبيلِه وأجابَ داعِيَ رَبِّهِ. فَما أعظَمَ مِنّةَ اللَهِ عِندَنا حينَ أنعَمَ علَينا بِه سَلَفًا نَتَّبِعُه وقائدًا نَطَأُ عَقِبَهُ!
واللَهِ لقَد رَقَّعتُ مِدرَعَتي هَذِه حتّى اسْتَحيَيتُ مِن راقِعِها! ولقَد قالَ لي قائلٌ: "ألا تَنبِذُها عَنكَ؟"، فقُلتُ: "اغرُبْ عَنِّي، فعِندَ الصَّباحِ يُحمَدُ القَومُ السُّرَى"».
* سورة القصص، الآية ٢٤. - راجع: دعائم الإسلام، ج ٢، ص ۱٩٣.
- المصدر نفسه (عبده)، ج ٢، ص ٥۷ ـ ٦۱:
