
حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم
أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية
لماذا يجب علينا معرفة الإمام الواقعيّ لا الإمام الخياليّ الذي ترسمه لنا الإحساسات؟ هل يُعدّ كتمان بعض الوقائع التاريخيّة صيانةً لعقائد الناس أم خيانةً عظمى للحقيقة؟ وكيف نُفرّق بين سيرة المعصوم التي تُمثّل سُنّة يجب اتباعها وبين أفعاله الشخصيّة أو الظرفيّة؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً أنّ قوام الشريعة هو اليقين لا الظنّ، ومستعرضةً نماذج من ثبات أصحاب الإمام الحسين عليه السلام الذين وصلوا إلى أعلى مراتب الشهود واليقين في كربلاء.
حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم
5في اعتقادي، إنّ أكبر خيانة يرتكبها المُؤرّخ هي أن يُخفي الأبعاد الشخصيّة التاريخيّة لأحد الأفراد عن أنظار القرّاء بناءً على مصالح يُحدّدها هو بنفسه؛ فهذه من أعظم الخيانات!
لقد بيّنتُ سابقًا قبل أيّام۱ أنّه: لقد بايع الإمام السجّاد عليه السلام يزيد في المدينة، إلّا أنّ كتب التاريخ اختلفت في ذلك؛ فبعضها يقول: إنّ يزيد نفسه قد جاء إلى المدينة في رحلته إلى مكّة؛٢ وفي بعض التواريخ: إنّ يزيد لم يذهب إلى مكّة في الأساس، بل إنّ قائده وأميره مسلم بن عقبة هو من جاء إلى المدينة، وأخذ البيعة من الإمام ليزيد.٣ وعلى أيّ حال، فقد وردت هذه المسألة في بعض كتب التاريخ. أمّا في أيّ وضع وفي أيّ حال كان الإمام السجّاد عليه السلام، فلندع كلّ ذلك؛ نعم، هناك مجال للحديث والبسط والفحص والتحقيق والتدقيق في هذه المسألة، ولكنّ الأمر المذكور قد ورد في بعض التواريخ.
الفرق بين الإمام الواقعيّ والإمام المصنوع من الأوهام والخيالات
الإشكال الذي يَرِد على المرحوم الشيخ عبّاس القمّيّ هو: لقد عرفتم الإمام انطلاقًا من نظرتكم الظاهريّة؛ وهناك بونٌ شاسع ـ كما بين السماء والأرض ـ بين هذا الإمام وبين الإمام الواقعيّ! فلا يُصبح الإنسان عارفًا بالإمام بمجرّد تأليف كتاب «مفاتيح الجنان» وأمثاله. إنّ العارف بالإمام هو وليّ الله والعارف بمقام الإمام، وليس مَن يجمع الروايات مع بعضها، ولا مَن يأتي بالأدعية؛ فهؤلاء أناس صالحون ومن أصحاب اليمين، لكنّ العارف بالإمام شخص آخر! ولهذا، نرى وجود مثل هذه الأخطاء الفاحشة في عقيدتهم تجاه الإمام.
لم تكن قضيّة بيعة عليّ بن الحسين عليهما السلام قضيّةً خفيّة، شئنا أم أبينا؛ فقد اطّلع عليها جميع أهل المدينة، وقد اتّخذ الناس في ذلك الزمان موقفهم تجاه الإمام بناءً على هذه الأحداث والمشاهدات؛ في حين أنّنا اتّخذنا موقفنا تجاه الإمام بناءً على جهلنا وعدم معرفتنا؛ والمسألة تختلف كثيرًا! فلو كنّا في ذلك الزمان، وشاهدنا هذه المسائل منهم، فهل كانت ستتكوّن لدينا مثل هذه الصورة وهذا التصوّر عن الإمام؟!
إذن، لكي نتمكّن من بناء عقائدنا ومبانينا الفكريّة بشكل صحيح، لا مناص لنا من أن نُدرك تاريخ الإمام، ونفهمه كما هو حقًّا.٤
- مجلس شهادة الإمام السجّاد عليه السلام.
- الكافي، ج ٨، ص ٢٣٤:
«عن بُرَيدِ بنِ مُعاويةَ قال: سَمِعتُ أبا جَعفَرٍ عليه السّلام يقولُ:
إنَّ يزيدَ بنَ مُعاويةَ دَخَلَ المَدينةَ وهو يريدُ الحَجَّ؛ فَبَعَثَ إلى رَجُلٍ مِن قُرَيشٍ فَأتاهُ فَقالَ لَهُ يزيدُ: "أ تُقِرُّ لي أنَّك عَبدٌ لي؛ إن شِئتُ بِعتُك، وإن شِئتُ استَرقيتك؟!" فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: "واللهِ ـ يا يزيدُ ـ ما أنتَ بِأكرَمَ مِنّي في قُرَيشٍ حَسَبًا، ولا كان أبوك أفضَلَ مِن أبي في الجاهِليّةِ والإسلامِ، وما أنتَ بِأفضَلَ مِنّي في الدّينِ ولا بِخَيرٍ مِنّي! فَكيفَ أُقِرُّ لَك بِما سَألتَ؟!". فَقالَ لَهُ يزيدُ: "إن لم تُقِرَّ لي ـ واللهِ ـ قَتَلتُك!" فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: "لَيسَ قَتلُك إيّاي بِأعظَمَ مِن قَتلِك الحُسَينَ بنَ عَليّ، ابنَ رسول الله صلّي الله عليه وآله!". فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.
ثُمَّ أرسَلَ إلى عَليّ بنِ الحُسَينِ عليه السّلام، فَقالَ لَهُ مِثلَ مَقالَتِهِ لِلقُرَشيّ؛ فَقالَ لَهُ عليّ بنُ الحُسَينِ عليه السّلام: "أ رَأيتَ إن لم أُقِرَّ لَك، أ لَيسَ تَقتُلُني كما قَتَلتَ الرَّجُلَ بِالأمسِ؟". فَقالَ لَهُ يزيدُ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ: "بَلَى!". فَقالَ لَهُ عَليّ بنُ الحُسَينِ عليه السّلام: "قد أقرَرتُ لَك بِما سَألتَ: أنا عَبدٌ مُكرَهٌ؛ فَإن شِئتَ فَأمسِك، وإن شِئتَ فَبِع!". فَقالَ لَهُ يَزيدُ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ: "أَولى لَك، حَقَنتَ دَمَك، ولم ينقُصك ذَلِك مِن شَرَفِك!"». - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٣، ص ٢٥٩:
«لمّا قدم جيشُ الحَرّةِ إلى المدينةِ وعلَى الجيشِ مسلمُ بن عقبة المري، أباحَ المدينةَ ثلاثًا، واستعرضَ أهلَها بالسّيفِ جزرًا كما يجزر القصّاب الغنمَ، حتّى ساختِ الأقدامُ في الدّمِ! وقَتلَ أبناءَ المهاجرينَ والأنصارِ وذرّيةَ أهلِ بدرٍ. وأخَذَ البيعةَ ليزيدَ بن معاويةَ على كلِّ مَن استبقاهُ مِنَ الصّحابةِ والتّابعينِ، على أنّه عَبد قِنٌّ لأميرِ المؤمنينَ يزيدَ بن معاويةَ! هكذا كانت صورةُ المبايعةِ يومَ الحَرّةِ إلّا عليّ بنُ الحسينِ بنِ عليّ، فإنّهُ أعظمَهُ وأجلَسَهُ معهُ على سريرِهِ وأخَذَ بيعتَهُ على أنّه أخو أمير المؤمنينَ يزيدَ بن معاويةَ وابنُ عمِّهِ، دفعًا لهُ عمّا بايعَ عليه غيرُهُ؛ وكان ذلك بِوَصاةٍ مِن يزيدَ بن معاويةَ لَهُ». - معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢٥٦:
«رأي المرحوم القمّيّ هذا غير سديد. ذلك أنّه ظنّ الإمام السجّاد أُسوةً للناس بدون بيعة يزيد، وزعم أنّ الناس لو علموا بأنّه بايع، لرجعوا عن الإيمان والاعتقاد بالتشيّع، أو ضعف إيمانهم واعتقادهم. وبالنتيجة فإنّ الإمام هو الذي لا ينبغي له أن يبايع يزيد.
إنّ مفاسد هذا اللون من التفكير بيّنة.
أوّلاً: لأنّ الإمام الحقيقيّ هو الذي يُبايع، ويُدرك مصالح البيعة، وعمله صحيح، وخلافه، أي: عدم البيعة، غير صحيح.
ثانيًا: لو ابتُلينا هذا اليوم بحاكم جائر كيزيد، وقال لنا: بايعوا وإلاّ ... وإذا اعتبرنا البيعة ـ حتّى مع هذا الفرض ـ حرامًا وخطأً، فقد أهدرنا دمنا ودماء أهلينا وناس آخرين سدىً. وأمّا إذا علمنا أنّ أئمّتنا وقُدوتنا قد بايعوا في مثل تلك الظروف، فإنّنا سنُبايع فورًا بدون أن نُفكّر بالنتيجة السقيمة وما تستتبعه البيعة من محذورات. أ فليست التقيّة من أصول الشيعة الثابتة؟! لِمَ نُظْهِرُ للناس خلاف ذلك فنوُرّط أولئك المساكين في عُسرٍ وحرجٍ للحفاظ على شرفهم وكرامتهم ووجدانهم؟ حتّى إذا بايع أحد في مثل هذه الحالة، فإنّه يعدّ نفسه آثمًا خجولاً، ويرى تلك البيعة مخالفة لسُنّة إمامه ونهجه. وإذا لم يبايع فإنّه يُعرّض نفسه وأتباعه لسيف زنجيّ ثمل جائر سفّاك، ويفقد حياته جنونًا وحماقةً.
بيان الحقيقة هو بيان الحقيقة نفسها، لا بيان حقيقة خياليّة، وإلّا فإنّ جميع المفاسد تقع على عاتق من كتم الحقيقة.
كانت في المرحوم المحدِّث القمّيّ ـ مع جميع ما اتّصف به من الجهاد العلميّ والعناء وحبّ أهل البيت عليهم السلام ـ مثلبة تتمثّل في بتره للأخبار، إذ يذكر مثلاً شيئًا من الخبر كمثال، ويتغاضى عن الباقي الذي ربّما تكون فيه قرائن مفيدة لحدود هذا المعنى المستفاد.
وهذا غير صائب، إذ لعلّ صدر الخبر قرينة على ذيله، وذيله قرينة على صدره. فما على المؤلِّف إلاّ أن ينقل الخبر بحذافيره، ثمّ يُعلّق عليه في الهامش أو الشرح إن أشكل عليه في بعض المواضع!
ونلحظ في كتاب «منتهى الآمال» أنّ المحدِّث القمّيّ ذكر مقتل محمّد بن عبد الله بن الحسن المسمّى بالنفس الزكيّة، ومقتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن المسمّى بقتيل باخمرى، وتحدَّث عن سيرتهما التي أوردناها في صفحات متقدّمة من هذا الكتاب، * دون أن يشير إلى مثالبهما، واكتفى بالحميد من ترجمتهما.
وهكذا فعل العلّامة الأمينيّ في «الغدير» عند ذكر عبد الله المحض وولديه: محمّد وإبراهيم، فقد تحيّز في كلامه عنهم نوعًا ما، ورغب عن بيان طبيعة الواقعة».
* معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢٣٢.
