
حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم
أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية
لماذا يجب علينا معرفة الإمام الواقعيّ لا الإمام الخياليّ الذي ترسمه لنا الإحساسات؟ هل يُعدّ كتمان بعض الوقائع التاريخيّة صيانةً لعقائد الناس أم خيانةً عظمى للحقيقة؟ وكيف نُفرّق بين سيرة المعصوم التي تُمثّل سُنّة يجب اتباعها وبين أفعاله الشخصيّة أو الظرفيّة؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً أنّ قوام الشريعة هو اليقين لا الظنّ، ومستعرضةً نماذج من ثبات أصحاب الإمام الحسين عليه السلام الذين وصلوا إلى أعلى مراتب الشهود واليقين في كربلاء.
حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم
12يقول: إلى متى النواح والصراخ: أين هو ذلك الحبيب؟ فالآفاق كلّها قد امتلأت بالحبيب، فأين هم الأغيار؟
مَنْ كَانَ يَقْظانًا، نَالَ الحَظَّ اليَقْظَان؛ فالمَحْبُوبُ يَتَجَلَّى، وَلَكِنْ أَيْنَ العَاشِقُ اليَقْظَان؟
مَسِيحُ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ قَادِمٌ مِنْ عَالَمِ الغَيْب، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَشْكُو عِلَّةَ الهَوَى؟ وَأَيْنَ القَلْبُ السَّقِيم؟
يوسفُنا المصريّ قد حلَّ بالسُّوق، فيا أيّها الأحبَّة الأوفياء، أين المشتري؟
سرّ التوحيد يتجلّى من كلّ ذرّة؛ لكن، أين هو المحتاج المليء بالشوق الواقف على الأسرار؟.
بناء نهضة سيّد الشهداء على أعلى مراتب اليقين
هناك بَونٌ شاسعٌ بين مَن يتبع طريقه ويسير فيه بيقين ووصول إلى المقصد، وبين مَن يتزلزل في مبدئه عند أدنى شبهة! هناك فرق كبير بين ذلك الشخص الذي يقول لسيّد الشهداء: «لو أحرقوني ألف مرّة وذرّوا رمادي في الرياح، لما تخلّيتُ عنك!»،۱ لقد كان مسلم بن عوسجة صادقًا! ولم يكن كاذبًا؛ أي لو أنّهم أحرقوه، وأضرموا فيه النار ألف مرّة، لما تخلّى عنه! هناك فرق كبير بين أولئك الذين كانوا مع الإمام الحسين عليه السلام، وبين ذلك الشخص الذي يفرّ من المعركة بمجرّد إطلاق مدفع، أو يذهب إلى بيته إذا رأى الأوضاع قد تغيّرت!
إنّ كربلاء هي قضيّة فريدة! فليس لدينا اثنين من كربلاء! وليس لدينا كربلاء في أفغانستان والهند وباكستان وإيران؛ بل لدينا كربلاء واحدة فقط! واستعمال لفظ كربلاء لأماكن أخرى محرّم شرعًا! وسنتحدّث عن هذه القضيّة أيضًا إن شاء الله. هل كان أولئك أيضًا هكذا؟! هل كان مسلم بن عوسجة بينهم؟! ذلك المسلم الذي يقول للإمام الحسين عليه السلام ليلة عاشوراء: «لو قتلوني ألف مرّة ثمّ أحيوني، ثمّ أحرقوني، ثمّ ذرّوا رمادي في الرياح، لما تخلّيتُ عنك!». هذا ما يُسمّى باليقين! فلن يتخلّى عنه حتّى لو هطلت عليه القنابل كالمطر، ولن يتخلّى عنه حتّى لو وضعوا الحلوى في فمه، ولن يتخلّى عنه حتّى لو سقوه السمّ الزعاف؛ هذا ما يُسمّى باليقين! فهل كان وضعُ الآخرين هكذا أيضًا؟! الإمام الحسين واحد؛ وانتهى الأمر! جاء شخص واحد ومضى! فالإمام الحسين ليس بضاعةً في كلّ دكّان!
عاشوراء قضيّة يجب على الإنسان أن يرى فيها ما حدث في كلّ لحظة من لحظاتها، وما هي المسألة التي كانت فيها. فالإمام لم يقُم بأيّة دعاية أبدًا، بل قال للجميع منذ البداية [ما مفاده]: «كلّ مَن يأتي معي سيُقتل؛ فلا يأتِ أحد!»؛ ولكنّه فتح الطريق للبعض بقوله: «مَنْ كَانَ بَاذِلاً فِينَا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّنًا عَلَى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا»؛٢ أي: مَن كان يريد الوصول إلى الله فقط، فقد فتحنا له طريقًا.. فتحنا طريق الله تعالى فقط!
- الإرشاد، ج ٢، ص ٩٢.
- اللهوف، ص ٦۱.
