
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك
كيف يتحوّل الخطر والموت إلى لذّة وبهجة عند أولياء الله؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين طريق أداء التكليف وطريق العشق في الوصول إلى الحقّ؟ وهل يُمكن للشيطان أن يُوحي لأوليائه بأفكارٍ تخريبيّة تُشبه الوحي الرحمانيّ؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله تعالى عليه عن هذه الأسئلة، مستعرضًا الأسرار الغيبيّة لليلة المبيت، وحقيقة العشق الذي جعل شهداء كربلاء يتفرّدون بمقامٍ لا يلحقهم فيه مَن بعدهم.
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
7اختفاء رسول الله صلّى الله عليه وآله ثلاثة أيّام في طريقه من مكّة إلى المدينة
قصّة هذه الحادثة مفصّلة؛ وخلاصتها أنّ أمير المؤمنين عليه السلام جاء، وبات في فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله. وعند طلوع الفجر، اقتحم المشركون منزله، فنهض أمير المؤمنين عليه السلام من مكانه، ورأى المشركون أنّه أمير المؤمنين وليس النبيّ!
قالوا: «يا عليّ، أين ذهب النبيّ؟».
فأجابهم: «أَ وَكُنتم قد جعلتموه أمانةً عندي؟!».
خرج النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله من مكّة، واختفى لثلاثة أيّامٍ في «غار ثور»؛ وفي هذه الأيّام الثلاثة، كان أمير المؤمنين عليه السلام يأتيه بالطعام سرًّا. وبعد أن بحث المشركون في كلّ حدبٍ وصوب، وتقصّوا أثره دون أن يعثروا عليه، تحرّك النبيّ صلّى الله عليه وآله نحو المدينة، وكان يمشي ليلاً، ويتخفّى نهارًا حتى وصل إليها.۱ وقصّة هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى المدينة مفصّلة جدًّا.٢
سعادة أمير المؤمنين بإيثاره في «ليلة المبيت» لشدّة عشقه للنبيّ الأكرم
كنت أفكّر في نفسي ذات مرّة بشأن أمير المؤمنين عليه السلام؛ لو سُئل: «بماذا شعرت حينما نمت في فراش النبيّ؟ ألم تشعر بالخوف؟».
لقال عليه السلام: «لم أقضِ في حياتي كلّها ليلةً بذاك السرور والسعادة!».
وأمير المؤمنين لا يمزح هنا، فالمسألة جدّية! فعلى أيّ أساسٍ تُبنى هذه القضيّة؟ وما حقيقتها؟
عندما يتأمّل الإنسان في الأعمال التي قام بها أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة، يرى أنّه كان عاشقًا للنبيّ، ولم يكن يرى لنفسه أيّ وجود [في قباله]!
بعد ذلك، خطرت في ذهني هذه الفكرة، وهي أنّ المسألة لعلّها تكون على النحو التالي:
إنّ مَن يُلقي بنفسه في البحر ليغرق، لا يخشى بعد ذلك من بلل ثيابه أو ضياع خاتمه أو ما تحتويه جيوبه؛ فالإنسان الذي يُلقي بنفسه في البحر قاصدًا الغوص في أعماقه، لا يعبأ إن ابتلّت ثيابُه، أو سقط الخاتم من يده، فليس في ذلك مشكلة! فمَن الذي تخطر بباله مثل هذه الأفكار؟ ومَن الذي يكترث لهذه الأمور؟ إنّه الشخص الذي يريد الحفاظ على آثاره الوجوديّة.
أمّا أمير المؤمنين عليه السلام، فقد صفّى حساباته منذ البداية، وحسم أمره، وقال: «أنا أمتلك بدنًا وروحًا، وأريد أن أُصلح هذه الروح والنفس؛ فما العمل؟». تارةً، يقع الإنسان في صراعٍ وتضادّ بين البدن والروح، محتارًا في أن يُحافظ على البدن، أم على النفس والروح! فإن أراد إيصال الروح إلى الكمال، تعرّض البدن للأذى؛ وإن أراد الحفاظ على سلامة البدن، توقّفت الروح عن المسير! ولكنّ أمير المؤمنين جاء وقال: فلأطرح البدن جانبًا، وليكُن بعد ذلك ما يكون!
- راجع: تفسير القمّي، ج ۱، ص ٢۷٢ ـ ٢۷۷؛ إعلام الورى، ص ٦۱ ـ ٦٩؛ قصص الأنبياء عليهم السلام، الراونديّ، ص ٢٣٥ ـ ٢٣۸.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: بحار الأنوار، ج ۱٩، ص ٢۸ ـ ۱۰٣.
