
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك
كيف يتحوّل الخطر والموت إلى لذّة وبهجة عند أولياء الله؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين طريق أداء التكليف وطريق العشق في الوصول إلى الحقّ؟ وهل يُمكن للشيطان أن يُوحي لأوليائه بأفكارٍ تخريبيّة تُشبه الوحي الرحمانيّ؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله تعالى عليه عن هذه الأسئلة، مستعرضًا الأسرار الغيبيّة لليلة المبيت، وحقيقة العشق الذي جعل شهداء كربلاء يتفرّدون بمقامٍ لا يلحقهم فيه مَن بعدهم.
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
3ومضت الأيّام على هذه الحال إلى أن خرج النبيّ صلّى الله عليه وآله مع أصحابه من الشِعب.۱ وفي نفس وقت الخروج من الحصار، تُوفّيت السيّدة خديجة عليها السلام؛ وبعد مدّةٍ وجيزةٍ، تُوفّي أبو طالب عليه السلام، ففقد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ناصرَيه ومُعينَيه: السيّدة خديجة عليها السلام وأبو طالب عليه السلام.٢ ولمّا رأى المشركون أنّ المسلمين قد فقدوا هذين السندين والداعمين، استهانوا بالنبيّ صلّى الله عليه وآله، وقالوا: «لقد انتهى أمره ولم يعُد يُشكّل خطرًا!». ولكن، بعد انقضاء مدّةٍ قصيرة، تجدّد أذى المشركين.
اجتماع المشركين في دار الندوة وعزمهم على قتل رسول الله
وخلاصة القول، آل الأمر إلى أن اجتمع سادة قريش في دار الندوة يتشاورون فيما يصنعون برسول الله صلّى الله عليه وآله؛ أي ليحسموا أمره، ويقضوا على هذا الوجود المقدّس! فأخذ كلّ واحدٍ منهم يُدلي برأي. وهنا، تمثّل لهم الشيطان في صورة شيخٍ في عالم المكاشفة والمثال ـ فقد ظهر لهم في عالم المثال، لا بصورةٍ جسمانيّة؛ لأنّ هذا هو أقصى ما يُمكنه فعله، إذ يملك من القدرة ما يُمكّنه من التصرّف في قلوب أوليائه ـ وجلس بجانب هؤلاء المشركين.
فقال قائلٌ منهم: «إنّ سبيل دفع هذه الفتنة هو أن يذهب رجلٌ، فيقتل النبيّ!».
فقال الشيطان: «ليس هذا برأي؛ لأنّه إن قتله رجلٌ واحد، اجتمعت بنو هاشم فقتلوه، فإنّ لهم قوّة ومنعة».
وقال بعضهم: «نحبسه في سجنٍ، ونناوله الماء والخبز من كوّةٍ، حتّى يبقى فيه إلى أن يهلك».
فردّ الشيطان: «وهذا أيضًا ليس برأي؛ لأنّكم إن أبقيتم على هذا الوجود الجاذب للناس، لَعَلِم المسلمون بخبره وسألوا عنه، ولَرُبّما هجم أنصاره في ليلةٍ فأخرجوه وهرّبوه. فهذا الرأي لا يصحّ أيضًا».
فتكلّم كلّ واحدٍ منهم برأي؛ فقال أحدهم: «نُركبه جملاً ونوثقه عليه، ثمّ نوجّه الجمل نحو القبائل!».
فرفض ذلك أيضًا وقال: «وهذا ليس بصائب!».
وأخيرًا، قدّم أبو جهلٍ اقتراحًا.
منشأ الأفكار الباطلة وكيفيّة إيحاء الشيطان لأوليائه
إنّ الآية الكريمة: ﴿إِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَولِيَآئِهِم﴾٣ ناطقةٌ بهذه المسألة! نحن نظنّ أنّ الأفكار الرحمانيّة التي ترد أذهاننا هي من عند الله، وأنّ جنود الرحمن هم من يُلقون بالمعاني الرحمانيّة في فكر الإنسان، بينما الأفكار الباطلة التي تخطر بباله هي من صنع الإنسان نفسه ووليدة فكره؛ ولكنّ الأمر ليس كذلك، بل بسبب ارتباط الإنسان وأُنسه بالأبالسة والشياطين، فإنّ هؤلاء يقومون بإلقاء الأفكار الباطلة في ذهنه ونفسه؛ فيأنس الإنسان بهذه الأفكار ويتفاعل معها؛ وبمقدار ما يَرِد من هذه الأمور على الذهن، يقلّ مقدار الواردات الرحمانيّة، وتأخذ تلك الأفكار الباطلة بالرسوخ تدريجيًّا، مُزيحةً جنود الرحمن شيئًا فشيئًا، حتّى تستولي الواردات الشيطانيّة على قلب الإنسان بالكامل؛ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ ٱللَهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِم وَعَلَىٰ سَمعِهِم وَعَلَىٰٓ أَبصَٰرِهِم غِشَٰوَةٌ﴾.٤ فكلّ ما يَرِد على ذهن الإنسان وفكره ونفسه إنّما هو نتيجةٌ لارتباطه بأحد المبدأين: مبدأ الرحمن، أو مبدأ الشيطان!٥
- معرفة الإمام، ج ٦، ص ٢٢٥:
«كان الرسول الأكرم ومعه المسلمون محاصرين في شعب أبي طالب عليه السلام ... إلى أن ثبت إعجاز النبيّ؛ إذ أخبر عمّه أنّ الله قد سلّط على معاهدتهم حشرة الأرضة، فأكلتها ولم تبق منها إلاّ عبارة: بِاسْمِكَ اللهُمَّ». - تاريخ اليعقوبيّ، ج ٢، ص ٣٥؛ السيرة الحلبيّة، ج ٢، ص ٤۰.
- سورة الأنعام، الآية ۱٢۱.
- سورة البقرة، الآية ۷.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: أفق وحي (فارسيّ)، ص ٢٥٣ ـ ٢٦۱.
- معرفة الإمام، ج ٦، ص ٢٢٥:
