
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك
كيف يتحوّل الخطر والموت إلى لذّة وبهجة عند أولياء الله؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين طريق أداء التكليف وطريق العشق في الوصول إلى الحقّ؟ وهل يُمكن للشيطان أن يُوحي لأوليائه بأفكارٍ تخريبيّة تُشبه الوحي الرحمانيّ؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله تعالى عليه عن هذه الأسئلة، مستعرضًا الأسرار الغيبيّة لليلة المبيت، وحقيقة العشق الذي جعل شهداء كربلاء يتفرّدون بمقامٍ لا يلحقهم فيه مَن بعدهم.
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ والصّلاةُ والسّلامُ على سيِّدِنا ونَبيِّنا
وحَبيبِ قُلوبِنا وطَبيبِ نفوسنا أبي القاسِمِ المصطفى محمّدٍ
وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ
واللّعنَةُ على أعدائِهِم أجمَعين
تقييم الإنسان لحاله من خلال دراسة تاريخ النبيّ صلّى الله عليه وآله
قال الله تعالى في مُحكمِ كتابه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.۱
إنّ تاريخ النبيّ تاريخٌ مليءٌ بالعِبَر، حيث يجد الإنسان نفسه حاضرًا تمامًا في زمانه صلّى الله عليه وآله، ويُمكنه استيعاب موقعه وحاله في وضعه الراهن. فكم من أفرادٍ جاهدوا وآثروا وضحّوا في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله بكلّ صدقٍ، ثمّ انحرفوا في نهاية المطاف واتّخذوا لأنفسهم مسارًا آخر.
شدّة معاناة المسلمين في سنوات الحصار في شِعب أبي طالب
لقد اشتدّت الأمور وصَعُبت على النبيّ صلّى الله عليه وآله وأصحابه في السنة الرابعة أو الخامسة أو السادسة للبعثة، حتّى إنّهم لم يجدوا مخرجًا سوى الهجرة أو التخلّي عن التبليغ والرسالة. فقد تزايدت ضغوط المشركين واشتدّ أذاهم بشكل كبير، وضيّقوا الخناق على النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى حدّ أنّ أصحابه كانوا في خوفٍ وذُعرٍ دائمين، ولم يكن لديهم أيّ أمنٍ على أرواحهم.
في هذه الأثناء، قام أبو طالب عليه السلام بإيواء النبيّ صلّى الله عليه وآله وجمعٍ غفيرٍ من أصحابه داخل شِعب أبي طالب ـ الذي يقع في شارع الحجون، وهو معروفٌ وواضحٌ الآن ـ وحاصر المشركون ذلك المكان. وكان رجالٌ من بني هاشم ممّن يتّفقون مع النبيّ صلّى الله عليه وآله في المبدأ والمنهج، كحمزة عليه السلام، يحرسون ذلك الشِعب. [وبعد ذلك، اجتمع كفّار مكّة ووقّعوا معاهدةً تنصّ على مقاطعة المسلمين وعدم إقامة أيّة علاقةٍ معهم، سواءً في البيع أو الشراء أو الزواج أو غير ذلك]. ومضت ثلاث سنواتٍ على هذه الحال.
حراسة أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله صلّى الله عليه وآله
لم يبتعد أمير المؤمنين عليه السلام طيلة هذه السنوات الثلاث عن خيمة النبيّ صلّى الله عليه وآله لحظةً واحدة؛ فقد كان الوضع بالغ الخطورة، وكان احتمال هجوم المشركين واردًا في كلّ لحظة، وكانت حياة النبيّ مُعرّضةً للخطر. فكان صلّى الله عليه وآله ينام ليلاً، بينما يبقى أمير المؤمنين عليه السلام يقظًا حتّى الصباح. وطوال هذه السنوات الثلاث، أوقف أمير المؤمنين عليه السلام نفسه على خدمة النبيّ صلّى الله عليه وآله. وكذلك قدّم حمزة سيّد الشهداء عليه السلام في هذه المدّة تضحياتٍ جليلة.٢
- سورة البقرة، الآية ٢۱۸.
- مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ٦٣ ـ ٦۷؛ دلائل النبوّة، ج ٢، ص ٣۱۱ ـ ٣۱٥.
