
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك
كيف يتحوّل الخطر والموت إلى لذّة وبهجة عند أولياء الله؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين طريق أداء التكليف وطريق العشق في الوصول إلى الحقّ؟ وهل يُمكن للشيطان أن يُوحي لأوليائه بأفكارٍ تخريبيّة تُشبه الوحي الرحمانيّ؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله تعالى عليه عن هذه الأسئلة، مستعرضًا الأسرار الغيبيّة لليلة المبيت، وحقيقة العشق الذي جعل شهداء كربلاء يتفرّدون بمقامٍ لا يلحقهم فيه مَن بعدهم.
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
13فناء المحبّ في المحبوب، المرحلة الأخيرة من العشق
أعلى من هذه المرتبة، توجد مرتبة أخرى، وبناءً على قاعدة (إمكان الأشرف)، فإنّ حقيقة العشق والكمال النهائيّ لهذا العشق يتحقّقان في تلك المرتبة، وهي: أن يزول وجوده (أي المُحبّ) أيضًا بالكامل، ولا يعود يرى سوى المحبوب وكفى! هذه تصبح المرتبة الأخيرة للمحبّة!
وحينئذ، إذا قبلنا بالمحبّة في مرتبةٍ ما، فلماذا لا يجب أن نقبل بالمرتبة الأعلى وما فوقها؟! فالاشتداد الموجود في آية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾، في أيّة مرتبة يجب أن يكون؟ هل يجب علينا أن نُحبّ الله فقط بهذا القدر وفي هذه المرحلة: أنّه خلقنا، وفي مقابل الأعمال التي نقوم بها سيمنحنا الثواب هناك؟! هل إذا صعد الشخص بقدمه درجةً ورتبةً أعلى، يكون ذلك خطًا؟ الأمر ليس كذلك!
هل ينبغي علينا أن نُحبّ الله تعالى بهذا المقدار، ونتعلّق به بهذا المقدار، بحيث نُطالبه في ذلك العالم (الآخرة) بناءً على ما أعطانا إيّاه؟ أم لا، بل نرتفع أعلى من هذا، ونضع آثارنا الوجوديّة جانبًا؟! وبما أنّه جلّ وعلا مبدأ كلّ الحقائق ومنشأ كلّ الواقعيّات، ومبدأ الفيض والجمال والكمال والعلم، فلماذا لا يصل الإنسان ـ من حيث الاشتداد في الوجود والمحبّة ـ إلى مقامٍ بحيث لا يتبقّى منه أيّ وجود لنفسه، بل يفنى ويندكّ في وجود المبدأ الأعلى؟! لماذا يكون الوصول إلى ذلك المبدأ خطًا، ولكنّ قبول تلك المرتبة الدُنيا يكون صحيحًا؟! ولهذا، فإنّ الله تعالى يقول في القرآن الكريم:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾؛ أيّ أنّ الذين آمنوا، حبُّهم لله أكثر من أيّ شيء!
يُرجّحون حبّ الله على كلّ شيء، بل يُرجّحون حبّ الله حتّى على أنفسهم! وهذا هو مقام الفناء ومقام العشق! فهل هو شيءٌ غير هذا؟!
كان المرحوم القاضي قد علّم هذا الدعاء للمرحوم الشيخ عبّاس القوجاني: اللَهمَّ ارزُقني حُبَّكَ، وحُبَّ ما تُحِبُّهُ، وحُبَّ مَن يُحِبُّكَ، والعَمَلَ الّذي يُبَلِّغُني إلى حُبِّكَ، وَاجعَل حُبَّكَ أحَبَّ الأشياءِ إلَيّ!۱
بمعنى: اجعل حُبّك هو أحبّ الأشياء عندي، وأيّ شيء أحبّه أنا، فلتكن محبّتك فوقه! ومن جملة الأشياء التي أُحبّها، هي آثاري الوجوديّة نفسها! ففي هذا الدعاء، يُخاطب النبيّ الأكرم ربّه قائلاً: «يا ربّ، اجعل محبّتك بديلاً حتّى عن محبّتي لنفسي!» هذه هي نفس المحبّة التي يمتلكها أمير المؤمنين عليه السلام!
- بحر المعارف، ج ٢، ص ٣٥۱؛ مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٢، ص ۱۱٣؛ معرفة الله، ج ۱، ص ٢٢٦، الهامش ٢.
