
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك
كيف يتحوّل الخطر والموت إلى لذّة وبهجة عند أولياء الله؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين طريق أداء التكليف وطريق العشق في الوصول إلى الحقّ؟ وهل يُمكن للشيطان أن يُوحي لأوليائه بأفكارٍ تخريبيّة تُشبه الوحي الرحمانيّ؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله تعالى عليه عن هذه الأسئلة، مستعرضًا الأسرار الغيبيّة لليلة المبيت، وحقيقة العشق الذي جعل شهداء كربلاء يتفرّدون بمقامٍ لا يلحقهم فيه مَن بعدهم.
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
12إثبات العشق لله تعالى من خلال قاعدة «إمكان الأشرف»
بعبارةٍ أخرى، إذا أردنا أن نتحدّث حول هذه المسألة بطريقةٍ علميّةٍ وفنّية، يُمكن تناولها على النحو التالي:
هناك قاعدةٌ متداولة بين طلبة العلوم الدينيّة وأهل العلم تُسمّى بـ «قاعدة إمكان الأشرف».۱ على سبيل المثال: إذا كان لديك حركةٌ بطيئةٌ في هذا العالم، فإنّ قاعدة إمكان الأشرف تقتضي وجود حركةٍ أسرع منها؛ لتصل في النهاية إلى «الحركة المطلقة» التي لا توجد بعدها أيّة حركة؛ وكما يُفترض في النظريّات الفيزيائيّة الحديثة، تتحوّل المادّة إلى طاقة بحيث لا يتبقّى حينها أيّة حركة.
أو لنفترض أنّنا تصوّرنا في هذه الدنيا علمًا جزئيًّا؛ كأن يكون شخصٌ قد درس في تخصّصٍ ما لمدّة سنةٍ واحدة، فإنّ قاعدة إمكان الأشرف تقتضي وجود دراسةٍ لسنتين أو ثلاث سنوات تفوق تلك السنة؛ وصولاً إلى مرحلة «الإطلاق» في هذا العلم، بحيث لا يكون هناك أيّ علمٍ أرقى وأعلى منه متحقّقًا في الوجود.
وهكذا الحال في الجمال؛ فإذا كان هناك شيءٌ جميل، فإنّ لهذا الجمال مراتب، حتّى يصل إلى مرتبة «الجمال المطلق»، وهو المتمثّل في جمال الله تعالى.
فقاعدة إمكان الأشرف تقتضي تحقّق حالة «الإطلاق» لتلك الصفة في الواقع وفي نفس الأمر؛ وأمّا مسألة وجود شخصٍ متّصفٍ بذلك في هذه الدنيا من عدمه، فتلك مسألةٌ أخرى.
الآيات والروايات في باب العشق لله تعالى
حديثنا الآن في المسألة التالية: توجد لدينا آية قرآنيّة جاء فيها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾٢ كما أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «وَاجعَل لِسانِي بِذِكرِكَ لَهِجًا وَقَلبِي بِحُبِّكَ مُتَيَّمًا»٣ ونحن قد أقررنا أصل المحبّة، وهذه المحبّة عبارة عن رفع الإثنينيّة بين شيئين؛ لأنّ الإنسان عندما تنشأ لديه محبّةٌ تجاه محبوب ما، فإنّه يضع جانبًا آثاره الوجوديّة التي تفصله عن هذا المحبوب؛ فما يجده بينه وبين ذلك المحبوب هو فقط نفسُ وجود المحبوب ونفسُ وجوده هو؛ وأمّا آثار الكثرة التي تتسبّب في البينونة والاختلاف بينه وبين المحبوب، فإنّها تزول شيئًا فشيئًا.٤
فإذا كنتَ تحبّ شخصًا، وكانت هذه المحبّة في مرحلةٍ جزئيّة، فإنّك ستُفكّر مع نفسك: ما هي الخصائص التي يمتلكها هو، وما هي الخصائص التي أمتلكها أنا؟ وبالنظر إلى خصائص كليكما، تنشأ محبّة. حينئذ، إذا زادت هذه المحبّة، فإنّك تقوم تدريجيًّا بتقليل مميّزاتك ومميّزاته، بحيث لا تعود مسألة "أنّني أملك المال وهو لا يملكه" تبدو مهمّة في نظرك؛ وكذلك مسألة "أنّني أمتلك العلم وهو لا يمتلك"؛ فهذا العلم لا يتسبّب في إحداث مسافة بينك وبين المحبوب. وهكذا، كلّما زادت هذه المحبة، فإنّ آثار الكثرة الوجوديّة للإنسان ـ والتي تعود إلى تقيّده في هذا العالم ـ تتنحّى جانبًا شيئًا فشيئًا. وفي نهاية المطاف، الشيء الوحيد الذي يتبقّى هو نفس وجود هذا ووجود ذاك؛ وهذه المرتبة هنا هي عبارة عن الغاية في مرتبة العشق والمحبة!
- راجع: الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج ۷، ص ٢٤٤ ـ ٢٥۸.
- سورة البقرة، الآية ۱٦٥.
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ۸٥۰، مقطع من دعاء كميل.
- توحيد علمي وعيني (فارسي)، ص ۱٩۱، الهامش ٣:
«بناءً على مفاد الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (البقرة، الآية ۱٦٥)، فإنَّ العشقَ والتَّيْمَ وفرطَ المحبّةِ يُوصِلُ الإنسانَ إلى اللهِ تعالى. ومن لوازم هذه المحبّة أن يُسلِّم الإنسانُ إرادتَه واختيارَه واستقلالَه للهِ عزَّ وجلَّ؛ فيندرجَ تحت رعايته التامّة وولايته المطلقة؛ كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران، الآية ٦۸)، وقال جلَّ شأنه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة، الآية ٢٥۷).
وعند هذه المرتبة، تتحقّق له حقيقة التوحيد؛ فيرى نفسَه فانيًا فناءً محضًا في البحرِ اللامتناهي لحياة الحضرة الأحديّة وقدرتها وعلمها ونورها، ويشهد ذاتَه وسائرَ الموجودات ممحوّةً ومضمحلّةً وفانيةً في عظمته جلّ جلاله، ويُعاين الأشياءَ كلَّها ذات وجودٍ مجازيٍّ ومُستعارٍ، بحيث يكون انبساط وجود الحقّ قد استوعب ما سواه كلّه، ولا تكون ثَمّة ذرّة بعيدة عن إشراق شمس الحقيقة تلك، بل تكون هناك ذات بَحتة بسيطة، مُدركة، شاعرة، عالمة، حكيمة، قادرة، وحيّة؛ هي التي أحاطت بأرجاء الوجود كافّةً، وبصرح عالَم الكائنات؛ وهذه هي حقيقة مقام الولاية المُلازم لمقام التوحيد. يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته: "الوَلَايَةُ: حُصُولُ الشَّيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، حُصُولاً لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا"».
