
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك
كيف يتحوّل الخطر والموت إلى لذّة وبهجة عند أولياء الله؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين طريق أداء التكليف وطريق العشق في الوصول إلى الحقّ؟ وهل يُمكن للشيطان أن يُوحي لأوليائه بأفكارٍ تخريبيّة تُشبه الوحي الرحمانيّ؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله تعالى عليه عن هذه الأسئلة، مستعرضًا الأسرار الغيبيّة لليلة المبيت، وحقيقة العشق الذي جعل شهداء كربلاء يتفرّدون بمقامٍ لا يلحقهم فيه مَن بعدهم.
حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام
10وهذا نظير الأمّ التي مرض طفلها، وهو يوشك على مفارقة الحياة، فتحتضن هذا الطفل وتركض به من هنا إلى هناك، ومن شارع إلى آخر، باحثة عمّن يشفيه لها! فهل تُفكّر الأمّ في تلك اللحظة بالطعام؟ وهل تُفكّر في تلك اللحظة بالمنزل؟ وهل تُفكّر في شخص آخر أو مكان آخر؟ وهل تُفكّر في المسائل المتعلّقة بالمنزل وما شابه ذلك؟ هل كُنِسَ المنزلُ اليوم أم لا، وهل غُسلت الأواني أم لم تُغسل؟! كلاّ، بل تتوجّه كل أفكار هذه الأمّ في تلك اللحظة نحو هذه القضيّة فقط: وهي أن تصل بهذا الطفل في أسرع وقت ممكن إلى مكان يجد فيه الشفاء والصحّة!
يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم [ما معناه]: أفضل الناس، هو ذلك الشخص الذي رسّخ الارتباطَ بالله تعالى في نفسه إلى حدّ أنّه لا يتركه وشأنه ولو للحظة واحدة، «فَباشَرَها بِجَسَدهِ»؛ أي أنّه في هذه الحالة، يسحب معه جسده أيضًا وراء هذه القضيّة!
أينما احتمل أنّ أمره سيُقضى يذهب إلى هناك، وأينما احتمل أنّ حاجته ستُقضى يسافر إلى هناك، وأيّ عمل يحتمل أن يُحقّق له هذا الأمر يقوم به حتّى تتجسّد هذه القضيّة في وجوده. أمّا إذا لم نكن كذلك، وتعاملنا مع هذا الأمر كتعاملنا مع بقيّة الأمور والمسائل الأخرى التي نلتفت إليها في حياتنا اليوميّة، فلن نصل إلى هذا المقام؛ بل إنّنا نتقدّم ونسبق البقيّة بمقدار ما نوليه من اهتمام لهذه المسألة.
فالشخص الذي يكون في مثل هذه المكانة: «فَهُوَ لا يُبالي على ما أصبَحَ، على عُسرٍ أم على يُسرٍ»؛ أي لا يفرق معه كيف تمضي أيامه؛ وسواء مرّت أموره اليوميّة بصعوبة أم بسهولة.
إذ لم يعُد يلتفت إلى شيء في مجرى الأمور اليوميّة، بل يُوجّه فكره دائمًا إلى تلك الوجهة.
هر کجا یوسفرخی باشد چو ماه *** هست جنّت، گرچه باشد قعر چاه۱ يقول:
أينما كان ذو وجهٍ يوسفيّ مُشرقٍ كالقمر، فتلك هي الجنّةُ وإن كانت في قعرِ البئرِ
عندما يتّصل الإنسان بالله تعالى، تغمر نفسه لذّة من هذا الارتباط تجعل جميع لذّات الدنيا لا تُساوي شيئًا أمامها!
- المثنويّ المعنويّ، الكتاب الثالث.
