
شدّة معاناة النبيّ في سبيل تبليغ الرسالة والتحقّق بالتوحيد
فلسفة أسفار أولياء الله وحقيقة زواج النبيّ من السيّدة زينب بنت جحش
لماذا واجه المشركون دعوة النبيّ بكل ذلك العنف والإنكار؟ وهل كان هدف النبيّ مجرد نطق الناس بكلمة التوحيد أم التحقّق الوجوديّ بها؟ ما هي الأسرار الباطنيّة والرحمانيّة خلف تنقّلات أولياء الله وأسفارهم الشاقّة؟ وكيف نُصحّح التصوّرات التاريخيّة المغلوطة حول زواج النبيّ من السيدة زينب، مفرّقين بين الدوافع النفسانيّة والكمال الرحماني؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه عن هذه التساؤلات، مسلطةً الضوء على مقام الرأفة النبويّة والمظلوميّة التي لحقت ببيت الوحي عليه السلام.
شدّة معاناة النبيّ في سبيل تبليغ الرسالة والتحقّق بالتوحيد
6وفاة أبي طالب وخديجة عليهما السلام واشتداد أذى قريش
في السنة الثامنة بعد البعثة، فقد النبيُّ أبا طالب عليه السلام. وبعد ثلاثة أيّام، تُوفّيت خديجة عليها السلام أيضًا، وبعضهم نقل أنّ الفاصل كان ثلاثين يومًا، وبعضهم قال سنة؛۱ أي: خلال سنة واحدة على الأكثر، فقد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله نصيرين وسندين مهمّين له في تبليغ الرسالة؛ الأوّل: أبو طالب عليه السلام بما له من مقام ومكانة؛ والثاني: خديجة عليها السلام. ومنذ السنة الثامنة للبعثة، تضاعف أذى قريش للنبي واشتدّ.
دعوة رسول الله صلّى الله عليه وآله للقبائل
خرج النبيّ من مكّة، وبدأ دعوته في القبائل. وفي هذه الرحلة، كان يُرافقه زيد بن حارثة.٢ زيد بن حارثة هو ذاك الذي رُفعت الحجب عن عينيه في شبابه، فكان يُشاهد الحقائق؛ وقصّته أنّه بعد قدومه إلى المدينة، دخل النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله المسجد ذات يوم، فرآه جالسًا، وقد اصفرّ لونه؛ وبعد حديث قصير مع رسول الله، شرع يُخبر عن أمور ما وراء عالم الطبيعة والدنيا.٣
انطلق النبيّ مع زيد بن حارثة، وخرجا من مكّة؛ فوصلا إلى قبيلة بكر بن وائل ودخلاها، فلم يكرموهما، ولم يُدخلهما أحدٌ بيته، فخرجا من تلك القبيلة. ثمّ انطلقا مجّددًا؛ وبعد أن قطعا مسافة، وصلا إلى قبيلة قحطان، فأكرموا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأطعموه، ومكث النبيّ عندهم يومين أو ثلاثة، وبدأ بالدعوة رويدًا رويدًا؛ فجمعهم كلّهم في محفل واحد حوله، وبلّغهم رسالته؛ ولكنّ الناس وكبراءهم اجتمعوا، وسخروا منه، وتكرّر هنا ما كان يحدث له في مكّة، فطردوه.٤ هذه هي الدعوة القبليّة!
رحلة النبيّ صلّى الله عليه وآله التبليغيّة إلى الطائف
خرج النبيّ من مكّة، وسار، وسار، حتّى وصل إلى الطائف. والمسافة بين الطائف ومكّة بعيدة جدًّا. مكث في الطائف مدّة، حيث ورد في بعض الروايات أنّ إقامة النبيّ في الطائف كانت عشرة أيّام، وفي بعضها خمسين يومًا.٥ كان صباح النبيّ وظهيرته ومساءه طوال هذه المدّة يمضي في شؤون التبليغ؛ لكن، لم يعبأ به أحد، فأصابه اليأس وعاد. وفي طريق عودته مرَّ ببستان، فقام غلام اسمه عَدَّاس ـ كان مُكلّفًا بحراسة البستان ـ بوضع طبق من العنب أمامه بأمرٍ من شيبة صاحب البستان. فبدأ النبيّ مع زيد بن حارثة بالأكل، وقالا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
- إعلام الورى، ص ٥٣؛ الكافي، ج ۱، ص ٤٤۰.
- إمتاع الأسماع، ج ۱، ص ٤٥.
- الكافي، ج ٢، ص ٥٣؛ نور ملكوت القرآن، ج ٣، ص ٢۷۸، الهامش ٣:
«ورد اسمه في روايات الخاصّة: الحارثة بن مالك بن النعمان («معاني الأخبار» ص ۱۸۷) و(«المحاسن» للبرقيّ، ج ۱، ص ٢٤٦)، لكنّ الملاّ الروميّ أورده في «المثنوي» باسم زيد». - الدرر، ابن عبد البرّ، ص ٦۱؛ دلائل النبوّة، البيهقيّ، ج ٢، ص ٤۱۸؛ السيرة النبويّة، ابن هشام، ج ۱، ص ٤٢٢.
- بحار الأنوار، ج ۱٩، ص ۱٥ و٢٢؛ شجرة طوبى، ج ٢، ص ٢٣٦.
