
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
8اعتكاف النبيّ الأكرم في غار حراء قبل البعثة
﴿بِسمِ ٱللَهِ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * يَـٰٓأَيُّهَا ٱلمُدَّثِّرُ * قُم فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر * وَٱلرُّجزَ فَاهجُر * وَلَا تَمنُن تَستَكثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصبِر﴾.۱
يمضي من عمره الشريف حوالي أربعين عامًا؛ وكما أسلفنا الذكر،٢ يقول أمير المؤمنين عليه السلام [ما معناه]: كان النبيّ الأكرم يذهب إلى غار حراء طوال أيّام السنة، ويعتكف هناك.
فكان يتواجد في غار حراء طوال شهر رمضان المبارك، وفي أيّام السنة أيضًا؛ إذ كان يقضي الكثير من الأوقات في غار حراء، بحيث كلّما لم يكن النبي الأكرم في مكّة، وحدثت مسألة ما، كانت السيّدة خديجة ترسل خلفه صلّى الله عليه وآله وسلّم في غار حراء، وتُبيّن له المسألة؛ وحينها، كان يأتي من غار حراء إلى مكّة. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «ولقد كان يُجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري»؛ أي أنّ النبيّ كان يقضي مدة في غار حراء في كلّ سنة، في حالة كنت أنا فقط من يراه ولا يراه أحد غيري (أي لم يكن يراه غيره في مرحلة ما قبل الرسالة وما قبل البعثة).
«أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة»؛٣ أي: كنت أشاهد نور الوحي والرسالة في ذلك الزمان نفسه (زمان ما قبل الرسالة)، وكنت أشمّ رائحة النبوّة منه صلّى الله عليه وآله وسلّم.
بشارات جبرائيل للنبيّ الأكرم برسالته قبل البعثة
وفقًا لبعض الروايات، قبل أن يُبعث النبيّ الأكرم رسميًّا بالبعثة والرسالة، كان جبرائيل يأتيه في عالم الرؤيا وغير الرؤيا، ويُبشرّه بالرسالة، وكان صلّى الله عليه وآله وسلم يُصلّي قبل الرسالة والبعثة؛٤ وقبل أن يُبعث بالرسالة ويأتي بالأحكام والشرائع، كان أمير المؤمنين عليه السلام والسيّدة خديجة يقتديان به ويُصلّيان معه؛ ولدينا في رواية:
قبل زمان البعثة وقبل أن يصل إلى مقام الرسالة بعدُ، جاء أبو طالب يومًا إلى منزل السيّدة خديجة، ورأى أنّ النبي الأكرم مشغول بالصلاة، وأنّ أمير المؤمنين عليه السلام يُصلّي بجانبه؛ فالتفت إلى النبيّ الأكرم وقال: «ما هذا؟»، فقال: «هذا أمر الله لي».
- سورة المدّثر، الآيات ۱ ـ ۷.
- راجع المحاضرة الخامسة.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ۱٥۷.
- بحار الأنوار، ج ۱۸، ص ۱۸٤؛ نقلاً عن قصص الأنبياء عليهم السلام، الراونديّ، ص ٣۱۷.
