
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
7يا عزيزي، هل أنت القيّم على الدين والوليّ عليه حتّى يحترق قلبك من أجله؟! عندما يُقال لك: «افعل كذا»، فافعل! ما شأنك أنت بحفظ الإسلام، أو الخوف من أن يُشار إليك بالبنان، أو مخالفة أمر النبيّ والتضرّر جرّاء ذلك…؟! لو أنّ الإمام عليه السلام أمرك بأمرٍ، فهل كنت لتُثير الشكوك والشبهات حوله؟! أو لو أنّ الإمام عليه السلام أو النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله أمرك صراحةً بهذا، فهل كنت لتقول حينها: «لقد تعرّضت مكانة الإسلام للخطر»؟! كلاّ، بل لا مجال للكلام هناك. إنّ إبداء الرأي في قبال الأوامر والتعليمات الإلهية يُعدّ من قبيل التطفّل والفضول.
عندما يُريد الإنسان أن يخطو خطوةً نحو ربّه، خطوةً نحو الحق، خطوةً نحو الحقيقة المطلقة، أو يُريد أن يُؤدّي عملاً صغيرًا كان أم كبيرًا، نرى في تلك اللحظة أنّ كلّ أشكال المعارضة والمخالفة تبدأ من هنا وهناك؛ في حين أنّنا لو أردنا أن نخطو خطوةً إلى الوراء وبشكل قهقرائيّ، فلن نجد أيًّا من هذه المعوّقات على الإطلاق!
وثمّة رواية ينقلها أهل السنّة تقول:
«عندما ييأس الشيطان من جميع السبل والأمور التي يُمكنه من خلالها النفوذ والتغلغل إلى الإنسان، فإّنه يتسلّل إليه عن طريق أقرب الناس إليه!».
يعني: عندما لا يستطيع التغلغل في الإنسان بواسطة المكانة، أو بواسطة المال، أو بواسطة الشهرة، أو بواسطة العلم، أو بواسطة الأمور الاعتباريّة، أو بواسطة الأبناء، أو بواسطة الدنيا وبقيّة المسائل التي يتعامل معها الإنسان، فإنّه يتّخذ طرقًا أخرى للاقتراب! وهذا هو المعنى نفسه الذي يقوله الله تعالى في القرآن الكريم: «ما أرسلنا من نبيّ…» ﴿أَلقَى ٱلشَّيطَٰنُ فِيٓ أُمنِيَّتِهِۦ﴾؛ أي أنّ الشيطان يأتي، ويكون مع ذلك النبيّ!
فبمجرّد أن يسعى النبيّ إلى المجيء بحكمٍ ما، تبدأ المعارضة فورًا! فالأحكام كلّها لا تأتي دفعةً واحدة؛ بل تأتي شيئًا فشيئًا. وإذا أراد نقل مسألة ما، تبدأ المعارضة: الجهاد، معارضة؛ الزكاة، معارضة؛ الصوم، معارضة؛ ترك المحرمات، معارضة!
المعنى الصحيح لكون رسول الله أمّيًا
﴿وَمَا كُنتَ تَتلُواْ مِن قَبلِهِۦ مِن كِتَٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارتَابَ ٱلمُبطِلُونَ﴾.۱
كان وضع النبيّ هكذا؛ ولهذا، عُرف بالأمّي؛ ولكن، ما تُبيّنه رواياتُ أهل البيت عليهم السلام هو أنّ المقصود بالأمّي هو أمّ القرى ومكّة، حيث لدينا روايات كثيرة صُرّح فيها بأنّ النبيّ كان يُدعى بالأمّي لأنّه كان منسوبًا إلى مكّة وأمّ القرى.٢
- سورة العنكبوت، الآية ٤۸.
- علل الشرائع، ج ۱، ص ۱٢٥.
