
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
6قال الله تعالى في مناجاته لموسى عليه السلام: «إنّما أقبل الصلاة ممن عظّمني في قلبه، وامتلأ قلبه من خشيتي، ووقّر أوليائي وأعزّهم واحترمهم!».
فقال موسى عليه السلام: «يا ربّ! هل المراد بالأولياء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام؟»
فيأتيه النداء الإلهيّ: «هؤلاء أوليائي، ولكنّ المراد بالوليّ هنا هو مَن خلقتُ الجنّة والنار لأجله، وهو محمّدٌ الأحمد الذي اشتققتُ اسمه من اسمي المحمود! فمَن عرفهم (أي محمّد وأهل بيته) وعرف حقّهم، جعلتُ له عند الجهل علمًا، وعند الظلمة نورًا، أُجيبنّه قبل أن يدعوني، وأُعطينّه قبل أن يسألني!».۱
كيفيّة إلقاءات الشيطان في مسار الهداية
طالما أنّ الإنسان مشغولٌ بنفسه [أي: في غفلة]، فإنّ الشيطان لا شأن له به؛ ولكنّ العجيب أنّه كلّما أراد الإنسان أن يخطو خطوةً لله تعالى، أتاه الشيطان في تلك اللحظة بالذات؛ وهذا أمرٌ في غاية العجب!
ثمة آية في القرآن الكريم تقول:
﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلقَى ٱلشَّيطَٰنُ فِيٓ أُمنِيَّتِهِۦ﴾.٢
وخلاصة القول هي أنّ الله تعالى قد جعل طريق الهداية مقترنًا بالتضحية [التجاوز عن حظوظ النفس] والاختيار؛ فعلى الإنسان أن يُضحّي، وأن يطوي هذا الطريق بمحض اختياره. وكما أسلفنا، عندما يُريد الإنسان أن يأتي بعملٍ خارج مسار الهداية، فإنّ الشيطان لا يتدخّل فيه، بل يقول: «إنّه يمضي في طريقه بنفسه، ولا حاجة لمضايقته والتعرّض له؛ فهو يُسايرني من تلقاء نفسه، ولا يلزمني أن أتبعه كثيرًا!». ولكن بمجرّد أن يهمّ الإنسان بخطو خطوةٍ واحدة والمضيّ في طريق الحقّ، يعترض الشيطان طريقه فورًا؛ وأوّل من ينبري لمخالفته هو ولده، وزوجته، وصديقه، وقريبه! أين كان هؤلاء حتى الآن؟!
تُشير الآية الكريمة إلى أنّ الأنبياء والرسل ما داموا صامتين، فلا مشكلة ولا اعتراض عليهم؛ ولكن، عندما يريدون تنفيذ غايةٍ أو أمرٍ ما بين الناس، يأتي الشيطان فيقف حائلاً في طريقهم!
وكيف يعترضهم؟ يتغلغل في نفوس الناس، ليوسوس قائلاً: «إنّ هذا العمل الذي تروم القيام به، وهذه الطاعة التي تريد امتثالها، ستجلب لك المتاعب وتُبعدك عن الناس! ستُعرّض مكانتك الاجتماعيّة للخطر؛ والمكانة الاجتماعيّة أهمّ وأسمى! إنّك بعملك هذا ستصبح منبوذًا (يُشار إليك بالبنان) بين الناس!».
- راجع: تفسير القمّي، ج ۱، ص ٢٤٣.
- سورة الحجّ، الآية ٥٢.
