
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
5التبشير بظهور النبيّ الأكرم في الوحي لموسى عليه السلام
يقول الله تعالى: ﴿فالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ﴾؛ أي: إنّ الذين يُؤمنون بالنبيّ، ويُعزّزونه ويُوقّرونه، ويكونون له سندًا وظهيرًا وينصرونه، ويتّبعون ذلك النور (والمراد به هنا القرآن الكريم، كما فُسِّر النور في الكثير من الروايات بأمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته)۱، أولئك هم المفلحون.
وقد جاءت هذه الآية الكريمة عقب آيةٍ يذكر فيها الباري عز وجل طلباتٍ ودعواتٍ للنبيّ موسى عليه السلام، حيث يُخاطب ربّه قائلاً: ﴿وَٱكتُب لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأٓخِرَةِ إِنَّا هُدنَآ إِلَيكَ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَن أَشَاءُ وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَٰتِنَا يُؤمِنُونَ﴾٢
يطلب موسى عليه السلام من ربّه: «اجعل لنا في هذه الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة». فيُجيبه الله تعالى: «سأُنزل عذابي على مَن أشاء وتقتضيه مشيئتي؛ ورحمتي وسعت كلّ شيء، غير أنّني سأكتب هذه الرحمة وأُقدّرها للمتّقين، وللذين يؤتون الزكاة ويبذلون أموالهم، وللذين هم بآياتنا يُؤمنون ويوقنون».
وبالطبع، فإنّ كل من يخرج عن دائرة الطاعة والعبوديّة سيكون مستوجبًا للعذاب؛ وبالتالي، ستتعلّق مشيئة الباري تعالى بعذابه؛ ولكن، فيما يخصّ الرحمة، ولأنّه لدينا: «رَحْمَته التي سَبَقتْ غضبَه»٣، فإنّه تعالى يقول: ﴿وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ﴾؛ أي إنّ رحمتي قد شملت الجميع! بيد أنّ الله المتعال، وبما أنّه قد قرّر العذاب والثواب بمقتضى الحساب والعدالة والاختيار والميزان، فقد قيّد هذه الرحمة بقوله: ﴿فَسَأَكتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾، ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَٰتِنَا يُؤمِنُونَ﴾.
ثم يُعقّب مباشرةً بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ…﴾٤ ليربط هذه الطاعة وهذا الثواب وتلك الدرجة من الحسنة في الدنيا والآخرة بالذين يتّبعون النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله. ولهذا، نرى هنا أنّ الله تعالى قد حفظ في كتابه التوراة ـ الذي يضمّ دعوات موسى وإجابات الله والوحي الإلهيّ ـ اسم النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، وذكره، وخلّده.
مناجاة موسى عليه السلام ومحاولة إبليس إغواءه
يروي حفص بن غياث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال [ما مضمونه]: كان موسى عليه السلام يُناجي ربّه يومًا، فأقبل إليه إبليس يُريد إغواءه. فقال له مَلَك من الملائكة: «ماذا تريد من هذا العبد الصالح وهو في مناجاة ربّه؟!»، فأجاب إبليس: «أريد أن أصنع به ما صنعتُ بأبيه آدم حين أخرجتُه من الجنة!».
- الكافي، ج ۱، ص ۱٩٤؛ تفسير القمّي، ج ۱، ص ٢٤٢؛ تفسير العيّاشي، ج ٢، ص ٣۱.
- سورة الأعراف، الآية ۱٥٦.
- المقنعة، الشيخ المفيد، ص ٤۱۱.
- سورة الأعراف، الآية ۱٥۷.
