
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
3﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾؛ أي: ليس محمّدٌ إلاّ رسولاً من قِبَل الله تعالى؛ أ فيكون حالكم أنّكم إن مات أو قُتل، ارتددتم على أعقابكم، ورجعتم إلى تلك الحالات والأوضاع الجاهليّة الأولى؟!
لهذا، ومن منطلق أنّ هؤلاء الأفراد لا يستطيعون الوصول إلى ذلك الواقع بواسطة نور الباطن والبصيرة، فقد جعل الله تعالى الأمور الحسّية المشاهَدة معجزةً ودليلاً لإرشادهم؛ وإلاّ، فإنّ الكتاب المبين والقرآن المجيد وكلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وحده كافٍ للهداية والدلالة!
فلو تدبّرنا في القرآن نفسه، لظهر إعجاز هذا الكلام الإلهيّ من واقع التدبّر فيه؛ حينئذٍ، ستختلف سعة إدراكنا للواقع اختلافًا كبيرًا عن أولئك الذين يريدون الوصول إلى الحقيقة من منظور الحواسّ. إنّ الزلل والانحراف في حقّ الأفراد الذين يُشاهدون الدليل بواسطة نفس هذا الدليل، والحجّة عن طريق ذات هذه الحجّة، لا يقع إلاّ نادرًا جدًا؛ بخلاف أولئك الذين يبتغون الوصول إلى مسألةٍ ما عن طريق الظاهر والحواسّ!
معنى «الأُمّي» في كلام أهل السُنّة
بناءً على ذلك، ولئلاّ تبقى ـ ولو في الجملة ـ أيّة شبهة في قلوب مَن يُتطرّق إليهم الريب والشكّ، فقد أظهر الله تعالى النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، وبرّزه بين الناس منذ البداية على نحوٍ يزول معه أيّ شكّ أو شبهة في أنّ: «هذا القرآن من نتاج النبيّ الأكرم نفسه».
ولهذا، لم يكن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله يحسب ولا يكتب؛ ومن النادر جدًّا أن يكون قد قرأ شيئًا. نعم، ورد في بعض الروايات أنّه كان يقرأ، ولكنّ الكثير من الروايات تنصّ على أنّه لم يكن يقرأ. وعلى أية حال، فمن المقطوع به أنّه لم يكن يكتب شيئًا.۱ وقد يُصادف أن يتمكّن البعض من القراءة دون الكتابة، بل سُمِع أنّ بعض العلماء لم يكونوا يُتقنون الكتابة؛ فتجد أحدَهم عالمًا مُفكّرًا، لكنّه لا يحسن الكتابة، حتى جاءه مَن يُعلّمه إيّاها في أواخر عمره. فهذا أمرٌ مشاهَد، ولا معارضة بين هاتين المسألتين.
إنّ الله تعالى، ومن أجل دحض هذه الشكوك والشبهات، وضع النبيّ صلّى الله عليه وآله قبل الرسالة في موقعٍ لا يكتب فيه.٢ ومن هنا، فإنّ إطلاق بعضهم صفة «الأُمّي» على النبيّ صلّى الله عليه وآله يأتي من هذا الباب؛ أي إنّ النبي نشأ وترعرع على نفس الحالة التي وُلد عليها من أمّه، وبقي على عاميّته وبساطته الأولى؛ ولذلك، أطلقوا عليه لفظ «الأُمّي»، حيث نُشاهد هذه المسألة بكثرة في كُتب أهل السُنّة.٣
- علل الشرائع، ج ۱، ص ۱٢٤ ـ ۱٢٦.
- راجع المحاضرة الخامسة.
- فتح الباري، ابن حجر، ج ۷، ص ٣۸۷؛ ج ۱۷، ص ٢٦٣؛ كشف المشكل، ابن الجوزي، ج ٢، ص ٤۸٩؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج ٣، ص ٤٢۷؛ تفسير الآلوسي، ج ۱، ص ٣۰٢؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٩، ص ۱٥٩.
