
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
14استهزاء المشركين والمعاندين بالرسالة ووصفها بالملك والسلطنة
لقد كان هؤلاء القوم هم الذين ناصبوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم العداء، واستهزؤوا به؛ وكان من بينهم الوليد، وهو أحد الخمسة الذين عُرفوا بشدّة أذاهم للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، والآخر هو أبو لهب.۱ كما كان أبو سفيان مشهورًا بينهم في هذا المضمار، حيث لم يُؤمن هؤلاء برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أبدًا؛٢ بل إنّ الوليد وأبا لهب قُتلا قبل فتح مكّة بمدّة وجيزة،٣ فيما بقي أبو سفيان على قيد الحياة.
إنّ هؤلاء لم يُصدقّوا برسالة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل كانوا يُصوّرون الأمر على أنّه “سلطنة” بدلاً من “رسالة”، ويُقدّمون النبيّ الأكرم للناس بصفته مَلِكًا وحاكمًا. وعندما كانوا يتحدّثون مع أبي طالب عليه السلام أو مع أقرباء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، كانوا يقولون: «إنّ هذا [الرجل] قد جاء بملك وسلطان!»، وظلّوا متمسّكين بهذا المنهج وهذا الطريق؛ وما صدر منهم من مصائب بعد دخولهم الإسلام (ظاهرًا) إنّما نبع من ذلك الفكر، كما يقول “عبد الله العلايلي” في كتابه الإمام الحسين [ما معناه]:
كان بنو أمّية حزبًا يسعى لهدم الإسلام والارتداد عنه؛ حزبًا جاء ليُحرّف الإسلام عن مساره الصحيح ويقلبه! وحينما آلت الخلافة إلى عثمان، قال أبو سفيان كلمته الشهيرة: «تلقّفوها يا بني أمّية تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زالت أرجو لكم، ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة… ما من جنّة ولا نار». فاعتبر أنّ الرسالة لم تكن إلا ملكًا حازه النبيّ؛ والآن، وقعت السلطنة بأيديكم، فلا رسالة كانت ولا خبر جاء!٤
وهذا ما ردّده ولده يزيد في مجلسه حينما قال:
لَعِبَت هاشمُ بالمُلكِ فلا *** خَبَرٌ جاءَ ولا وحيٌ نَزَلَ٥ المصائب العظيمة لأهل البيت عليهم السلام في الشام
نشأت هذه الفئة ونمت على هذه الشاكلة منذ زمن الرسالة، حتّى إذا استقرّت السلطنة لبني أميّة، قلبوا حقائق الإسلام وأوصلوا الأمر إلى ما وصل إليه!
وعندما سُئل الإمام السجّاد عليه السلام: «أيّ المواقف كانت أشد وأقسى عليكم في رحلتكم من كربلاء إلى الكوفة، ومنها إلى الشام والمدينة؟»، أجاب عليه السلام: «الشام»؛ أي أنّ الشام كانت الأشدّ علينا!
- تفسير القمّي، ج ۱، ص ٣۷۸:
«المُستَهزِءونَ برَسولِ اللهِ صلّي الله عليه وآله وسلّم خَمسَةٌ: الوَليدُ بنُ المُغيرَةِ والعاصُ بنُ وائلٍ والأسودُ بنُ عَبدِالمُطَّلِبِ [المُطَّلِبِ] والأسوَدُ بنُ عبدِ يغوثَ والحارثُ بنُ طلاطِلَةَ الخُزاعي.
أمّا الوليدُ فَكانَ رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم دَعا عليهِ لِما كان يبلُغُهُ مِن إيذائِهِ واستِهزائِهِ فقالَ: "اللَهمّ أعمِ بَصَرَهُ وأثكلهُ بوَلَدِهِ!"، فعَمي بَصَرُهُ وقُتِلَ ولَدُهُ ببَدر...». - مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ۷٣ و۷٤.
- تاريخ الطبريّ، ج ٢، ص ٣٩۸؛ الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ۱۱۰؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ۷٤.
- الإمام الحسين (سموُّ المعنى في سموّ الذات أو أشعّة من حياة الحسين عليه السّلام)، العلايلي، ص ٣۰:
«وهذا ما يفسّر مقالة أبي سفيان، زعيم العصبة الأموّية حين تولّى عثمان: "يا بني أميّة! تلقّفوها تلقُّف الكرَة؛ فَوالّذي يحلف به أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم وتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة!" (مروج الذهب، ج ٢، ص ٣٤٣)». - روضة الواعظين، ج ۱، ص ۱٩۱.
- تفسير القمّي، ج ۱، ص ٣۷۸:
