
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
13فقالوا: لا، بل نعتبرك شخصًا أمينًا!
فقال صلّى الله عليه وآله [ما معناه]: فاعلموا إذن أنّني مبعوثٌ من قِبل الله تعالى لكي تتركوا الأصنام وتعبدوه وحده! ولكي تشهدوا بوحدانيّته وبرسالتي!
فقالوا: أتعني أنّك تطلب منّا أن نترك ثلاثمائة وستّين صنمًا؟! أن نترك ثلاثمائة وستين إلهًا ونعبد إلهك وحدك؟!
معارضة قريش لرسالة النبيّ الأكرم
وبعد ذلك توجّهوا إلى أبي طالب، وقالوا: إنّ ابن أخيك هذا قد جُنّ وأصابه مَسّ! فإن كان يريد مالاً، وضعناه تحت تصرّفه؛ وإن كان يريد نساءً، زوّجناه!
فجاء أبو طالب عليه السلام إلى النبي صلّى الله عليه وآله، وقال له [ما مضمونه]:
يقول هؤلاء القوم: «ما هذه الحادثة التي ألمّت بنا؟! إنّ محمّدًا يَصرف شبابنا عن دينهم، ويدعو الناس إلى نفسه!»، فإن كنت تبغي مالاً أو تبغي نساءً، فإنّهم يضعون ذلك تحت تصرّفك.
فهنا، يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله [ما معناه]: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، ما حِدتُ عن مهمتي، وما خالفتُ أمر ربّي!۱
واشتدّ الأمر على النبيّ صلّى الله عليه وآله، فقالوا (أي قريش) لأبي طالب: سَلِّمنا ابن أخيك لنقتله، وسنُسلّمك في المقابل أحد فتيان قريش لتتّخذه ولدًا!
الدعم اللامحدود من أبي طالب للنبيّ الأكرم
وهنا، يُنشد أبو طالب عليه السلام أشعارًا مفصّلة يقول في مضمونها: أ أُعطيكم ولدي لتقتلوه، وتعطونني في المقابل ولدكم لأُربّيه؟!
ويقول في أشعاره تلك مخاطبًا النبيّ: حتّى لو سقطنا جميعًا صرعى بين يديك وهلكنا، فلن نتخلّى عن نصرتك ودعمك!٢
ومن أجل حماية النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، أسكنه أبو طالب عليه السلام مع مَن كان معه من المؤمنين مدّةً من الزمن في «شعب أبي طالب»، ووكّل به حُرّاسًا من عشيرته لحمايته. وقد مكث النبيّ صلّى الله عليه وآله في الشعب قرابة أربع سنوات، وما إن انقضت مدّة إقامته فيها، حتّى انتقل أبو طالب عليه السلام إلى جوار ربّه.
وتفصيل ذلك: ثلاث سنوات كانت فترة الدعوة السرّية، وثلاث سنوات تلتها بدأت فيها مرحلة الدعوة العلنيّة، وأربع سنوات قضاها في شعب أبي طالب، ليكون إجماليّ المدّة هو عشر سنوات؛ وبعد انقضاء هذه السنوات العَشر، تُوفّي أبو طالب عليه السلام والسيّدة خديجة عليها السلام. ٣
- الخصال، ج ۱، ص ٢۷٩.
- لمزيد من الاطّلاع على أشعار حضرة أبي طالب عليه السلام التي أنشدها في الدفاع عن الرسول الأكرم، والتي تحكي عن إيمانه عليه السلام، راجع: الغدير، ج ۷، ص ٣٣۱ ـ ٣٤٥.
- تفسير القمّي، ج ۱، ص ٣۷۸ و٣۷٩؛ أنساب الأشراف، ج ۱، ص ٢٣٦.
