
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
11لسعدي هنا شعر لطيف، حيث ينقل في “الجلستان” حكاية مفادها: «سمعت أنّ الشيخ الفلانيّ كان يذهب إلى بحر المغرب، ويعبر من فوق الماء؛ ولكنّه، عندما وصل إلى مكان ما، لم يبصر، وسقط هناك، وكاد أن يغرق!»، ثمّ ينقل هناك كلامًا على لسان العظماء وحكايةً لحالهم، ويقول:
یکی پرسید از آن گم کـرده فرزنـد *** ای روشنروان پیـر خردمنـد ز مصرش بوی پیراهن شنیدی *** چرا در چاه کنعانش ندیدی؟ بگفت: احوال ما برق جهـان است *** دمی پیدا و دیگر دم نهان است گهی بـر طارم اعـلا نشینیم *** گهی بر پشت پـای خـود نبینیـم اگـر درویـش در حالی بمـاندی *** سر دست از دو عـالم برفشـاندی۱ يقول:
سأل أحدُهم الذي فقد ولده: يا أيّها الشيخ الحكيم ذو الروح المضيئة،
شممتَ ريح قميصه من مصر، فلماذا لم تره في بئر كنعان؟
قال: أحوالُنا كالبرق الخاطف، تظهر حينًا وتختفي حينًا آخر
تارةً نجلس في أعلى علّيين، وتارةً لا نرى ظاهر أقدامنا
لو بقي الدرويش على حال واحدة، لنفض يديه من كلا العالمين
إنّ حالات أولياء الله متفاوتة. فالحالة التي انتابت النبيّ الأكرم عند نزول الوحي كانت حالة كهذه، وكانت حالة لم يسبق لها مثيل حتّى ذلك الوقت، وذلك بواسطة ازدياد تجلّيات الخالق وقدرتها وقوّتها على نفسه؛ ولهذا، لم يستطع جسده أن يتحمّل، وسقط على الأرض.
إن تعييرهم ونقدهم هذا وشكّهم وشبهتهم هو بسبب هذا الأمر؛ وهو أنّهم لم يصلوا إلى هذه المسألة وأيديهم خالية من هذه المعاني، وهم يظنّون أنّ الوحي كالأمور العادية؛ في حين أنّ هناك معان وعوالم وأسرارًا لا تُحصى، وهي فوق ما يُعدّ ويُحصى.
بدء الدعوة السرّية للإسلام بنزول آية ﴿يا أيّها المدّثر﴾
على أيّ حال، جاء خطاب ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلمُدَّثِّرُ﴾، وبُعث النبيّ الأكرم بالرسالة. ووفقًا لبعض الروايات، فإنّ النبيّ الأكرم أخفى دعوته لمدّة خمس سنوات، وبناء على الأشهر والأقوى لمدّة ثلاث سنوات؛ وباستثناء أمير المؤمنين عليه السلام والسيّدة خديجة وزيد بن حارثة وجعفر الطيّار وأبي طالب وظاهرًا شخص أو شخصين آخرين، لم يُؤمن به أحد في هذه المدّة. وكان يحدث كثيرًا أن يُقيم النبيّ الأكرم الصلاة في منزله برفقة هؤلاء الأفراد، ولم يكن أحد مطّلعًا على حالاتهم؛ حتّى نزلت آية ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ ٱلأَقرَبِينَ﴾؛ وهنا، يُكلف الله تعالى النبيّ بأن يُوسّع رسالته. في بداية الأمر، يختار مجموعة من بين قبيلته ومن بين قومه وأقربائه، حيث جاء في الرواية:
- الجلستان لسعدي (روضة الورد)، الباب الثاني، الحكاية ۱۰.
