
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
: الدلالات العرفانيّة للخطاب الإلهيّ ﴿قُم فَأَنذِر﴾ وجذور الانحراف الأمويّ
هل تساءلت يومًا لماذا اختار الله تعالى لنبيّه الأكرم أن يكون «أُمّيًا» قبل البعثة؟ وما هو السرّ العرفانيّ والتربويّ خلف النداء الإلهيّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾؟ وكيف يتسلّل الشيطان بخبث لإحباط السالك بمجرّد أن يخطو خطوة نحو الله؟ وكيف صمد النبيّ أمام أذى المشركين بدعم مطلق من أبي طالب عليه السلام؟ وما هي الجذور العقائديّة الفاسدة التي دفعت بني أميّة لإنكار الوحي واعتبار الرسالة مجرد «مُلك وسلطنة»، ممّا أفضى إلى أبشع فاجعة بحقّ ذراري رسول الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة الشريفة عن هذه الأسئلة، مبحرة في أسرار السيرة والمباني الأخلاقيّة للدعوة.
إعجاز القرآن الكريم وأسرار الدعوة النبويّة
10عندما يأتي النبيّ موسى في تلك الليلة، ويرى تلك النار، فهناك يتوجّه إليه خطاب الرسالة والبعثة، حيث يقول الله تعالى: «أنا اخترتك!» ﴿فَاستَمِع لِمَا يُوحَىٰٓ﴾؛ «فمنذ الآن، سينزل عليك الوحي».
فلو كان مُقدّرًا أن تنتاب هذه الحالات شخصًا ما عند الوحي، لكان النبيّ موسى أجدر بهذا الوحي؛ لأنّ الوقت كان ليلاً، وكان عليه السلام وحيدًا؛ فكانت حالة الوحي تلك في موقع كهذا ستُؤثّر فيه! لهذا، فإن هذه المسألة مستبعدة جدًّا.۱
وهنا، يجب الانتباه إلى هذه المسألة، وهي أنّ الروايات الواردة عن الأئمّة عليهم السلام وعن النبيّ الأكرم ذات مضامين ومعان متفاوتة تختلف بحسب المقامات والدرجات. إنّ الحالات التي تنتاب الإنسان بواسطة القُرب من الخالق وبواسطة تجلّيات الله تعالى، وتأثير هذه الحالات على بدن الإنسان، ليست مسألة خفّية ومستورة عن أهل العرفان والسير. نحن نجد في حالات العظماء والأولياء أنّه كانت تتولّد لديهم حالة يسقطون إثرها على الأرض بواسطة قوّة وجاذبيّة ذلك النور والتجلّي الإلهيّ وتأثيرهما على البدن، بحيث قد يظلّون مغمىً عليهم لمدد طويلة؛ بل ومن الممكن أن يُصابوا بالحمّى، ومن الممكن أن يتعرّضوا لوعكات جسديّة،٢ حيث لدينا في حالات أمير المؤمنين عليه السلام حالات كهذه،٣ ونراها في حالات الإمام السجّاد أيضًا،٤ ولدينا روايات حولها في حالات الإمام الصادق عليه السلام أيضًا.٥ كما أنّه جاء في شأن العظماء والأولياء أنّه عندما تقوى تجلّيات الله تعالى، لا يعود البدن يمتلك القدرة على تحمّل تجلٍّ كهذا؛ وتلك الحالة تُؤثّر في البدن، فيُصابون بالحمّى، ويسقطون، ويفقدون الوعي، ومن الممكن أن تحدث لهم وعكات.
النبيّ الأكرم نفسه عندما كان ينزل عليه الوحي، كان يُصاب بثقل شديد لدرجة أنّ ذلك الثقل كان يُؤثّر على ناقته ومركبه، بحيث لم يكن مركبه يستطيع تحمّل ثقل كهذا أيضًا!٦ هذا الثقل ليس ثقلاً ظاهريًّا، بل هو بسبب ازدياد التجلّيات الإلهيّة وشدّتها وتأثيرها على البدن؛ ممّا يوجب إصابة هذا البدن بالثقل.
كما أنّ عكس هذه المرحلة صادق أيضًا؛ أي: من الممكن في بعض الأوقات وبواسطة الخفّة والبساطة والانبساط والانشراح، أن يوضع الإنسان في موقع، ويقع في موقف يوجب فيه تأثير تلك الحالة الروحانيّة في البدن خفّة هذا البدن وزوال الثقل، بحيث لا يكون له أيّ وزن أو ثقل؛ وكأنّه قشّة طائرة!
- لمزيد من الاطّلاع على كيفيّة نزول الوحي، والأقوال المختلفة بخصوص ثقله على القلب المبارك للرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ٢۰، ص ٦٣؛ الروح المجرّد، ص ٦٥٤؛ مفاهيم القرآن، ج ٣، ص ٣٣۰.
- التوحيد، الشيخ الصدوق، ص ۱۱٥:
«عن عُبَيدِ بنِ زُرارَةَ عن أبيهِ قال: قلتُ لِأبي عَبدِ اللهِ عليه السّلام: جُعِلتُ فِداكَ! الغَشيةُ الَّتي كانَت تُصيبُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إِذا أُنزِلَ عَلَيهِ الوَحي؟ فَقالَ: "ذاكَ إِذا لم يكُن بَينَهُ وبَينَ اللهِ أحَدٌ، ذاكَ إِذا تَجَلَّى اللَهُ لَهُ!". قال: ثُمَّ قال: "تِلكَ النُّبوَّةُ يا زُرارَةُ، وأقبَلَ بِتَخَشُّع".». - الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ۷٩؛ جامع الأخبار، الشعيري، ص ٦٥.
- الكافي، ج ٢، ص ٦۰٢؛ ج ٣، ص ٣۰۰؛ الهداية الكبرى، ص ٢۱٤ و٢۱٥؛ فلاح السائل، ص ۱۰۱ و۱۰٤؛ جامع الأخبار، الشعيري، ص ٦٥؛ الدّر النظيم، ص ٥۸۱ ـ ٥۸٤.
- دعائم الإسلام، ج ۱، ص ۱٥٩؛ فلاح السائل، ص ۱۰۷.
- تفسير العيّاشي، ج ۱، ص ٢۸۸.
